كنت أحتسي كوباً من الشاي في أحد الفنادق الكبيرة بمدينة كالكوت بولاية كيرالا الهندية عندما اقتربت مني مجموعة من الشباب والشابات من دول مجلس التعاون الخليجي.
رحبت بهم وسعدت بوجودهم معي ودخلنا بالطبع، في حديث ذي شجون ابتدأ بالبيئة ثم انتقل إلى الرياضة وتوقف أخيراً عند السياسة.
وسألني أحدهم، وهو يدرس الإدارة العامة والشؤون المالية في إحدى جامعات سنغافورة، لماذا العالم العربي في هذه الحالة المزرية؟
قلت له إن هذا السؤال تصعب إجابته غير أن المجموعة قالت بصوت واحد إنهم يريدون أن يعرفوا إجابتي. وأقنعني هؤلاء الشباب الذين لا يزالون في العشرينات من عمرهم والشغوفون بالمعرفة على أن أدلي بدلوي في محاولة الإجابة على هذا السؤال الصعب.
قلت لهم إن هناك أسباباً عديدة ومتنوعة لحالتنا المزرية، منها أولاً، وحسب اعتقادي، أن العالم العربي لم يمنح الفرصة للانطلاق والتقدم بعد أن قسمته اتفاقية سايكس - بيكو قبل نحو مائة عام.
وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية من 1939 إلى 1945، تم إنشاء الجامعة العربية التي أعطت بعض الأمل في بناء مستقبل أفضل لسكان المنطقة غير أن الصدمات والضربات توالت مجدداً من القوى الإمبريالية في الغرب بإنشاء الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي عام 1948.
وأصبحت إسرائيل منذ ذلك الحين شوكة في حلق العالم العربي زرعتها واحتضنتها الولايات المتحدة بالرعاية والعناية.
وزاد الطين بلة عجز الدول العربية عن احتواء قدرات شعوبها وتوجيهها نحو الاستقرار والرخاء.
والمهانة الشديدة التي حدثت بعد حرب الأيام الستة في يونيو عام 1967 ضد إسرائيل والتي خسرها العالم العربي بعد شعارات حنجورية بأن ساعة إسرائيل قد أزفت زادت أوضاعنا تأزماً.
أضف إلى هذه النكسة المذلة المشاحنات الداخلية، والانقلابات العسكرية والتي تسمى خطأ بالثورات، والديكتاتورية، والفساد وسوء الإدارة، وغباء بعض من تولوا الحكم، وكلها عوامل تكالبت لتهوى بالعالم العربي عميقاً في الحضيض.
ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ليكون آخر مسمار في نعش العالم العربي.
وأدى الضعف الشديد والبيروقراطية المكبلة في الدول العربية إلى حالة من الغليان والغضب إلى أن تفجرت الأوضاع في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن وسوريا فيما يعرف بثورات الربيع العربي والتي اتضحت في الآخر أنها ليست ربيعاً بل خريفاً عربياً اختطفته العناصر الإسلامية كما هو الحال في تونس ومصر.
وفي سوريا فشل النظام الديكتاتوري في قراءة التاريخ جيداً ورفض الاستجابة لمطالب شعبه المشروعة وحول المظاهرات السلمية المطالبة بالعدل والحرية والديموقراطية إلى مواجهات مسلحة مات فيها مئات الآلاف من أبناء الشعب السوري وتشرد الملايين في الداخل والخارج.
وأصبح العالم العربي منطقة صراع أججه اللاعبون الإقليميون ذوو المطامح السياسية المعلنة والخفية واستمرت الصراعات الطائفية في العراق واستمر الانفلات الأمني في اليمن وفي ليبيا.
قلت للشباب إن هذه ليست عودة للتاريخ لكنها انعكاسات للماضي التي يمكن إن تأملناها جيداً، أن تساعدنا على بناء استراتيجية أفضل لمعالجة مآسينا ومواجهة أعدائنا في الداخل والخارج وتحدي قوى البغي والعدوان ذات الأجندة المخفية.
ولعل السبب الرئيس للمشكلات في الدول العربية هو أن بعض الحكام في السلطة لا يريدون التخلي عنها، وأنهم في غفلة تامة عن مطالب شعوبهم، خاصةً الأجيال الجديدة التي تختلف طموحاتهم عن طموحات حكامهم العسكريين الشغوفين بالبقاء على مقاعدهم مهما كان الثمن، متناسين أن الشعوب لن تصمت طويلاً.
وقد قال الرئيس الأمريكي الأسبق جون كنيدي إن «الذين يقمعون الثورات السلمية بالقوة سيجعلون قيام الثورات الدموية أمراً حتمياً».
وهذا في الواقع هو ما يحدث في المنطقة الآن بين المتشبثين في مقاعد السلطة والطامحين لبناء مستقبل أفضل.
واليوم جاءتنا مصيبة أخرى هي التطرف الديني، والإرهاب الذي قض مضاجع الشباب المتطلعين نحو العيش في سلام وبكرامة خاصةً وهم يريدون أن يكون لهم صوت في إدارة شؤون بلدانهم.
إن هؤلاء الشباب يريدون أن يعيشوا في مجتمع يكون فيه الحكم على الفرد من خلال مزاياه الفردية، لا من خلال انتماءاته القبلية أو الطائفية.
وسألتني شابة من الحضور معنا في تلك الجلسة: هل هذا ممكن؟ قلت لها بالطبع هذا ممكن إذا وضعنا حداً للصراعات الدموية وأعطينا للسلام فرصة لكي نعيش ونزدهر.

