تتزامن خطابات تمكين المرأة في الوقت الراهن مع الخطابات التي تُحذر من تعنيفها. كما أن تجاوب القوى الاجتماعية المتمثلة في المؤسسات الحقوقية والمدنية بدأت تتغير بما يتواءم مع الظروف الراهنة والتغيرات الاجتماعية التي أصبحت تتبدل بسرعة الانترنت والأجهزة الرقمية.
ولكن يبدو أن غالبية هذه التغيرات لا تكاد تطفو على السطح بل ما زالت مغمورة وغير معروفة لدى كثير من السيدات في مجتمعهن البسيط. وخصوصاً أن برامج التوعية النسائية تُقام في أماكن محدودة داخل المدن، وإن أخذت شكل برامج تلفزيونية، فإنها ليست بالقوة التي قد تجذب ربة منزل أن تتفرغ لمتابعتها حين تُبث. حيث تبدو برامج توعية السيدات بحقوقهن وكأنها نملة تمشي على صفاة سوداء لا يكاد يراها أحد، في حين أن الإعلانات للمنتجات الاستهلاكية تطفو على مسامعهن أكثر من أي شيء آخر.
ما أقصد قوله أن ثقة المرأة بأن المجتمع بمؤسساته سيقف معها حين تتعرض للظلم تبدو ضئيلة ومحدودة. وحتى حين تُفتح القنوات لمساعدتها إما عن طريق البث الإذاعي أو التلفزيوني أو عن طريق مؤسسات رسمية، فإنها لا تبدو محل ثقة بالنسبة لها.
والسؤال: هل تستطيع المرأة السعودية أن تثق في مجتمع ذكوري يقف غالبية أفراده في صف الرجل حتى وإن كان مُخطئاً وكانت هي الضحية؟.
إن توعية المرأة بحقوقها الإنسانية التي تهدف إلى الحد من العنف ضدها لا يبدو أنها ستؤتي ثمارها في مجتمع ربما يرفع الرجل إلى منزلة أعلى من بشريته. وإلى أن نصل إلى هذا الوعي قد يأخذ هذا التغيير منحنيات وطُرقا غير آمنة.
ومن هنا لا بد من إدراك أن حقيقة العنف ضد المرأة هو مُصاحب لنمط التفكير الذكوري. وعلى ذلك يجب أن تتواكب خطابات تمكين المرأة مع التوعية ضد تعنيفها، وكسر هذه الأنماط من التفكير عن طريق المشاريع المنظمة الإعلامية التي تُخاطب المرأة على درجة مساوية لخطاب الرجل.
ويدخل هذا النوع من الخطاب ليس فقط على المنابر الإعلامية ولكن قبل ذلك يجب أن يُصحح الجانب الثقافي والمعرفي من أخطائه الفادحة ضد إنسانية المرأة ومن أهمها المعاجم العربية والأدب العربي والفن وعلى وجه الخصوص الخطاب الديني.
ففي المعاجم العربية مثلاً ما زالت تُعامل المرأة باعتبارها في مرتبة دونية عن الرجل، وربما مساوية للأنعام والنباتات والأرض والماء والسماء والأشياء، وترتقي بخطاب الرجل وإثبات إنسانيته على حساب إنسانية المرأة. وفي ذلك يتحدث مؤلف كتاب مُعجم الوأد للدكتور محمد فكري الجزار.
وأما من ناحية التاريخ فلا يكاد يُنصف تاريخنا عظمة الدور الذي لعبته المرأة قبل أن تصوره الكاتبة فاطمة المرنيسي في قراءتها الجديدة لتاريخ المرأة في الإسلام. ويبدو أن الخطاب الثقافي عموماً قد لا يعي خطورة ما يعكسه عن إنسانية المرأة في وقت قريب. ولذلك يجب أن تتوحد الجهود للتجديد في خطاب المرأة على منحى تأصيل إنسانيتها ومساواتها بالرجل في الأصل والمنشأ والمعيشة والممات.