في مقترح عجيب أثار دهشة المجتمع السعودي بأسره، طالب عضو في مجلس الشورى برفع سن التقاعد للمدنيين إلى 62 عاماً، مبررا ذلك بأن سن التقاعد الحالي والمحدّد بـ (60) عاماً هجرياً يعد الأقل بين الدول الأخرى، ولا سيما أن السنة الهجرية (التي يُقاس بها عمر الموظف المدني السعودي) تقل عن السنة الميلادية (التي يُقاس بها أعمار الموظفين في مختلف دول العالم) بنحو (11) يوماً، أي أن التقاعد الفعلي للموظف الحكومي في المملكة يتم في سن (58) عاماً ميلادياً تقريباً؛ إلى جانب ارتفاع معدلات العمر وتأخُّر سن الشيخوخة إلى ما بعد السن المقترحة للتقاعد!
ومن المبررات أن رفع السن للتقاعد المدني يهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، من أبرزها: زيادة مدة استفادة الأجهزة الحكومية من الطاقات البشرية التي أنفقت عليها الدولة مبالغ طائلة في التعليم والتدريب؛ إلى جانب أن الموظف في هذه السن يملك من الخبرة العملية والقدرة على العطاء، مما يتيح فرصاً أكبر أمام الموظفين الجدد لزيادة مدة الاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى الموظفين الأكبر سناً.
وقد تملكتني الدهشة، وأحاط بي التعجب، ففي الوقت الذي وصل فيه عدد العاطلين حاليًّا أكثر من 629 ألف عاطل، منهم 265.4 ألف من ذكور و363.6 ألفا من الإناث، ووصل معدل بطالة السعوديين الذكور في عام 2013 إلى نحو 12.1 %، بينما وصلت نسبة بطالة الإناث ما يناهز 35%، يأتي من يطالب بتمديد سن التقاعد!
أما الأعجب فهو قوله أن ذلك سيؤدي إلى زيادة في الراتب التقاعدي وفق ما تقتضيه المادة (19) من نظام التقاعد المدني، إضافة إلى ما سيترتب على رفع حد سن التقاعد الإلزامي لسنتين إضافيتين من فوائد اقتصادية للمؤسسة العامة للتقاعد؛ حيث سترتفع إيرادات صندوق معاشات المؤسسة، وتحقيق فائض ينجم عنه منح مزايا جديدة للمنتفعين.
وتساءلت هنا: هل هذا سبب مقنع للتمديد؟
ومن الناحية المالية فإن ما ذكره عضو مجلس الشورى من انتعاش لمصلحة معاشات التقاعد فمرده إلى أن المرء بعد تجاوزه لثلاثين عاما في الخدمة فإنه يعمل بربع راتبه إن لم يكن أقل، والتمديد سيخفف أعباء المتقاعدين عليها بما يعادل إنفاقها لمدة عامين على الزيادة في عدد المتقاعدين؛ حيث إن العدد الجديد لمتقاعدي هذه السنة يبلغ حوالي 34 ألف متقاعد يكلِّف المؤسسة حوالي 44 مليون ريال تقريبًا، ومن ثمَّ فإنَّ العامين سيوفران على المؤسسة قرابة 88 مليون ريال!
ولم يكن من المتوقع النظر إلى هذه الجزئية مطلقا؛ فالمجلس تعنيه المصلحة العامة، وتوظيف أبنائنا وبناتنا أهم من توفير المال.
ورفع سن التقاعد إلى 62 عامًا، سيؤخر عملية التقاعد لسنتين، الأمر الذي يُتوقَّع معه تدنِّي أو تضاؤل توظيف الشباب السعودي في مسار الإحلال محل المتقاعدين بشكل كبير، ولو طبق هذا الاقتراح فإن من المتوقع أن عدد السعوديين الذين كان من الممكن توظيفهم محل متقاعدي العامين القادمين يمكن أن يعادل الصفر نظريًّا، لأن المتقاعدين سيستمرون في عملهم طيلة هذه المدة وهي سنتان، ويتوقع فقدان سوق العمل بالقطاع الحكومي لحوالي 68 ألف وظيفة، كان يتجه لها حوالي 93% من الشباب السعودي، أيّ أن هناك أكثر من 63 ألف وظيفة مرغوبة ومفضّلة لدى السعوديين «ذكورًا وإناثًا» سوف تختفي!
إن الملاحظ هو التركيز على عملية التوفير المالي، أما مسألة الخبرة فهي لا تنطبق إلا على وظائف بعينها، وهؤلاء -في الغالب- يتم التعاقد معهم بعد التقاعد، وبمكافآت مجزية، وحينها يمكن الاستفادة منهم ومن خبراتهم، وإفادة الجيل الجديد أيضا.
إن المؤمل هو العدول عن النظر في مثل هذه المقترحات، وكنا نتمنى عدم اعتبارها ملائمة للطرح والمناقشة، فالبطالة ظاهرة في المجتمع لا يمكن إنكارها، والإحصاءات المخيفة لها تؤكد تفشيها، فلا تكاد تجد أسرة إلا ولديها عاطل أو أكثر.
وقد طالب جمع من الكتّاب الفضلاء بتخفيض سنوات التقاعد للجنسين، وبخاصة للنساء؛ فهن يفترض أن يتفرغن لبيوتهن وأولادهن، وكونهن يمضين ثلاثين سنة في الخدمة كحد أقصى (كمقترح) يكفي وزيادة، فجسم المرأة ومسؤولياتها تحتم التفكير الجاد في تخفيض سنوات الخدمة لها، وليت المجلس يتبنى دراسة مثل هذا المقترح، فهي -في تصوري- أجدى من تمديد سن التقاعد، إذ هو غير منطقي في ظل الوضع القائم، ولكي يتم القضاء على البطالة، فهل يفعل مجلسنا الموقر؟!
الخدمة المدنية: لا ترفعي سن التقاعد!
عبدالغني القش4 دقائق للقراءة

حجم الخط
