ظل الفن التشكيلي يكافح عبر مئات السنين من أجل البقاء شأنه في ذلك شأن العديد من الفنون والحرف التي طالما سعت لمواكبة عصرها بكل متغيراته حتى لا تندثر وتسقط من الذاكرة الإنسانية.
ومع تطور حركة الفن التشكيلي عبر العصور وظهور مدارس فنية مختلفة قدمت الجديد لعشاق ذلك الفن وأخرجت ما بداخل الفنان فنقلته من الوقوف عند حد تصوير الطبيعة في المدرسة الواقعية، إلى رسم المشاعر ثم الأفكار عبر أدوات وسبل ومدارس مختلفة كان أبرزها الرمزية والتأثيرية ثم التجريدية والسريالية والتكعيبية التي اهتم بها بشكل خاص بابلو بيكاسو، تمكن الفن التشكيلي من الحفاظ على مريديه ومسايرة ما مرت به البشرية من مآس وحروب.


صور مفعمة بالحركة والطاقة

ومن منطلق البحث عن صيغ وفضاءات جديدة للوحات التشكيلية بدأ الفنان بنيامين ساك يشق طريقه منفردا للبحث عن طابع مميز للوحاته وسط زحام المدن باحثا عن بعدي الطاقة والحركة اللذين تعج بهما شوارع المدن، ولم يكن من المستغرب بعد المقولة الشهيرة للفنان التشكيلي المصري صلاح طاهر أن أكثر لوحاته انسيابية وجمالا كانت تأتي خلال استماعه للتواشيح الدينية في فترة السحر في رمضان، أن يقول اليوم ساك إن لوحاته التي حاول أن ينقل من خلالها الطاقة والحركة للمشاهد أملتها عليه الموسيقى الكلاسيكية خاصة أعمال جوستاف ماهلر.
ويبدو أن ساك بدأ بالفعل في العثور على ضالته إذ بدأت لوحاته تلفت الانتباه بما حملها من طاقة وحركة حتى بدت في بعض الأوقات وكأنها تمارس نوعا من خداع البصر، فيشعر المدقق فيها لفترة طويلة بنوع ما من الدوار، إلا أن ساك يحافظ في أغلب لوحاته ذات الطابع الهندسي المميز على نقل الحركة والطاقة إلى المشاهد مع تقديم ما بداخله من خلال سريالية في لوحة تبدو واقعية تحميل الكثير من خداع البصر ليفتح للوحاته آفاقا أبعد يمكنها أن تضم المدن العصرية مع العصور الحجرية والحقب التاريخيــــة المختلفة فــي مشهد واحد قد يبدو للحظات أنه مشهد تلفه العبثية إلا أن الدراسة المتأنية له تؤكد أن المشهد تلفه الطاقة التي يبعثها ساك لمتابعي فنه عبر أدق التفاصيل التي تبعث الحيوية في اللوحة، وهو ما يؤكد أننا أمام فنان أصيل وأسلوب مميز ينبئ بمرحلة جديدة من مراحل الفن التشكيلي ربما حملت اسمه يوما ما لتكون مدرسة ساك.


تحد جديد

ومع انطلاقة تكنولوجية جديدة أرسى دعائمها عقد الثمانينات من القرن الماضي وظهور العديد من كاميرات التصوير التي يسهل اقتناؤها مع ثورة الحاسبات الآلية والبرمجيات التي أتاحت للجميع خيارات غير متناهية للتلاعب بالصورة، وأتاحت للجميع الصورة وإمكانية العبث بها بكل سهولة، بجانب تلك الصورة المصحوبة بالصوت والحركة في مقاطع فيديو يصل حجم تداولها اليومي إلى مليارات الدقائق، واجه الفن التشكيلي تحديا جديدا من نفس نوعية تحديات الماضي وإن كان أكثر شراسة هذه المرة، وبات على الفنان التشكيلي أن يواجه تقنية رقمية عالية الدقة والمهارة إن أراد لفنه أن يستمر.
وهنا بدأ يظهر في أوروبا ما يعرف الآن بالرسم رباعي الأبعاد والذي تملأ لوحاته أغلب الأرضيات والميادين الكبرى والمحافل الفنية، حيث نجح فنانو هذا الاتجاه في العثور على بعد رابع يجذب عشاق وهواة الفن التشكيلي من أمام شاشات الحاسوب إلى أعمالهم المبهرة.


ساك يبحث عن طريق

في لقاء خاص لموقع «هفنجتون بوست» مع بنيامين ساك يقول اللوحات مليئة بالتفاصيل التي ستشعرك بالدوار، فأن تشتمل رسمة واحدة بشكل ما على جميع الحركة والطاقة والالتواءات والمنعطفات اللانهائية في العالم بأسره، كان هذا هدفي.
ويستغرق رسم اللوحة الواحدة من يوم واحد إلى 9 أشهر لتكتمل، ويصل طول اللوحة أكثر من 12 قدما.
ويقول ساك: فن العمارة الذي يظهر بوضوح في لوحاتي يشكل ألوان الطلاء الخاصة بي، فهو تماما كالطلاء ينبغي أن يكون مرنا.
فأهدف من خلال استخدامي للأشكال المعمارية إلى الرسم على طول خط الواقعية والتجريد.
وأضاف ساك قائلا: بشكل مبسط فإن أسلوبي في الرسم يعتمد على مجموعة من الخطوط والنقاط باستخدام الحبر الأسود السائل.
لقد اعتدت الرسم وصقل موهبتي باستخدامه منذ أن كنت في الثانية من عمري، ولقد منحني هذا التدريب الصبر الذي يسمح لي بتنظيم النقاط والخطوط في أشكال معقدة وخيالية تناسب رؤيتي، فيمكنكم القول بأن أسلوبي في الرسم هو الصبر الرصين.
أما عن فنانيه المفضلين فيقول هم: مايكل أنجلو، ودافينشي، وكاناليتو، وبيكاسو، وكاندينسكي، وشاجال، وماثيو ريتشي، وجولي ميرتو.
ويعترف ساك بأن الموسيقى الكلاسيكية تلعب دورا أساسيا في نهجه فيقول: على الأرجح فإن أفضل إلهام لي يكمن في الموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال جوستاف ماهلر، ومن الساذج بعض الشيء قول ذلك، لكن الموسيقى منحتني عينين جديدتين.
وأنا معجب بمقولة تعود إلى ماهلر: ينبغي على السيمفونية أن تماثل العالم باحتوائها على كل شيء، وبالنسبة لي استبدلت كلمة «سيمفونية» بكلمة رسم، وهذا هو بياني الرسمي.