أتت سوزان رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي إلى إسرائيل قبل أسبوعين في زيارة كانت مقررة قبل أن تنهار محادثات السلام الفلسطينية - الإسرائيلية، أي أنّها حسب البيت الأبيض لم تتوجه إلى هناك بهدف إنقاذ هذه المحادثات، التي انهارت بين الطرفين في نهاية أبريل/ نيسان الماضي مع انتهاء مهلة الأشهر التسعة المحددة. وبعدم تحقق أي تقدم ملموس على الطريق المسدود الذي سلكته تلك المحادثات، ركزت البوصلة الأمريكية أولوياتها على الملف النووي الإيراني.
تقيس النخبة الإسرائيلية عمر التدخل الأمريكي في المنطقة، بوجود دولتها البالغ أكثر من ستة عقود، وباحتفالات شعبها بالذكرى الـ66 لتأسيسها، كما أنّها لا تنسى تقييم نجاح الولايات المتحدة في دفع الأطراف المحلية إلى الاتفاق على التسوية من نقاط ارتكازها على نفس الأرض. في هذه الأثناء يتناثر الخطاب الإعلامي العربي تحت ظلال فعاليات إحياء ذكرى «النكبة»، ويفقد حساسية التفاعل مع حدث مثل زيارة رايس التي تُعتبر مهندسة الوجود الأمريكي الجديد في الشرق الأوسط، ويحصر لقاءها مع الرئيس الفلسطيني في رام الله في البحث عن أسباب انهيار المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية التي يقودها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري وإمكانية معاودتها، بل يذهب إلى التكهن بأنّ الزيارة تدخل في إطار البحث عن الطرق المناسبة لإعادة بعث عملية السلام، واستبعاد انسحاب الولايات المتحدة من هذه العملية.
وأسباب عدم الحساسية هذه هو الركون إلى أنّ زيارة رايس معروفة رسمياً بأنها أحد اجتماعات «المجموعة الأمريكية الإسرائيلية الاستشارية». وهذا الرأي غطى بعضاً من التشويش الذي تركه قرار جون كيري السابق بإنزال عقوبات على إسرائيل إن هي أعاقت عملية السلام، كما أنّه لم ينجح في تبرير المواقف المتعاطفة مع إسرائيل والتي كان أولى بها الشعب الفلسطيني.
حظيت سوزان رايس باهتمام الباحثين في العلاقات الدولية وذلك لمواقفها الصريحة والمحددة والصارمة أحياناً في الملفات الدولية. وبطغيان الخطاب العاطفي والارتجالي على الخطاب الموضوعي، فإنّه قد ضُيّعت فرصة سبر أغوار زيارة رايس، كما أُعيق التركيز على مسؤولية إسرائيل عن انهيار المفاوضات بسبب سياسات الاستيطان المتواصلة، وقضايا الحدود والأمن، ورفضها الإفراج عن دفعة رابعة متفق عليها من الأسرى.
هذا من ناحية طرفي المفاوضات الفلسطينية والإسرائيلية، أما من ناحية راعي هذه المفاوضات فإنّ دور الولايات المتحدة الأمريكية يتجلى خاصة في ظل غياب الإرادة السياسية المحلية في الوصف الشهير المسبغ عليها، والمنطبق تماماً على مثل هذه الحالة وهو عملها كفرقة إطفاء وليس كطرف مبادر، إلّا في موضوع آخر يمثّل هاجساً كبيراً لها وللمنطقة وهو الخطر الإيراني.
وبدلاً من تلك النظرة القاصرة كان الأولى النظر إلى الديناميكية التي تتحرك بها سوزان رايس والنظر في المواقف لا الأشخاص. دافعت مستشارة الأمن القومي الأمريكي عن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بعد الانتقادات الإسرائيلية التي وجهت له إبان تعثر المفاوضات، وذلك بسبب تصريحاته عن إمكانية خضوع إسرائيل لعقوبات دولية وعزلة مفروضة إذا انهارت مفاوضات السلام. وهذا الدفاع دعمته سوزان رايس بمقولتها الواثقة بأنّ سجّل كيري فيما يخص دعم أمن وازدهار إسرائيل صلب ولا يرقى إليه الشك. وهي بهذا تترفع بالتقييم من مستوى الأشخاص إلى مستوى حكومتها في قولها أيضاً إنّ موقف الحكومة الأمريكية واضح وثابت، ويتلخص في أنّ الإدارة الأمريكية ترفض الجهود الهادفة إلى مقاطعة إسرائيل أو نزع الشرعية عنها.
لم تختم سوزان رايس زيارتها بوضع نهاية للصراع ولا بضمان نجاح المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، كما أنّه ليس هناك من عقوبات على الأرض. وبالنظر إلى قوة شخصية رايس وصلابة مواقفها فهي قادرة على المساعدة –إن أرادت- في عملية بناء الثقة والتوصل إلى اتفاقيات. قد لا تؤدي هذه الاتفاقيات بالضرورة إلى دولتين مستقلتين قابلتين للحياة كما تتمنى الولايات المتحدة، ولكن يمكن أن تحتفظ بهامش المناورات وموازنة الصراعات بالتحرك الرشيق بين القدس ورام الله.