تلك العبارة في العنوان، قالها مواطن عربي في لحظة انحبست فيها أنفاسه تحت تأثير تحرك الذكريات المؤلمة المتهيئة بفضل تركيبتها للوقوع السريع في شباك مفهوم «الشيء بالشيء يذكر»، المفهوم الذي مد وصله حديث السفير الفرنسي الجزائري الأصل، المذكور عنه احترافية لعب كرة القدم السيد «زاير قداد وش»، سفير فرنسا لدى إمارة اندورا، الذي سجل هدفا في مرمى الرأي العام لبلادها وما جاورها مباشرة بما تطرق إليه في رسالته الموجهة إلى سيد فرنسا وكبير أهلها، وقض بصداها في الوقت نفسه عن غير قصد مضجع ذاكرة المواطن العربي الذي أشغلته الرسالة بتفاصيلها، وهو الممكن احتسابه في عداد المفترضين اسما وقضية لمن أراد الخروج عن ممرات الواقع للمقيل في حدائق الخيال بعيدا عن حدود المتشابه من الحالات في النتيجة هنا أوهناك، البعض معلن بإسناد أو بغير إسناد، والآخر مكتوم أو محجوب جريا على العادة و»العرب أدرى بنفوسهم» وحاشا لله أن أبتليهم بما ليس فيهم.
تشكلت ذخيرة البوح المثخن بالجراح حثيثة، ورغم المسافة صوبت الذاكرة المشحونة بالمتاعب ووضعت صاحبها مع نفسه وجها لوجه في مأزق استعراض سجل تغليظ مواجعه ومد آلامه مقابل تفانيه في خدمة وطنه، وطال تأمله لمؤشرات الوفاء المتصاعدة في سماء سيرته المحملة بالنزاهة التي تعثر إخلاصه وتميزه وأشياء أخرى على أعتابها مرات كثيرة وما زال يعرج بالعكازات بين حدود الرجاء واليأس، مصرا على مقاومة ميت الذكريات وحيها، إلا أن الكلمات القادمة من بعيد التحمت بواقعه وفعلت فعلها رغم أنف المكابرة التي استخدمها بغية قفل باب المخزون المحزن المخزي.
لماذا يا معالي السفير -أصلح الله شأنك-؟ ليتك أخفيت قصة الجور الذي اعترض طريقك وتعاملت معه بدبلوماسية النعامة وتركت هذا العربي، المواطن المنسي الجاد في محاولات النسيان، يمضي في طريقه والمزلاج محكم على حجرة آلامه، إنه فقط يتوق إلى «الحق في النسيان» كما تتوق أنت إلى حق الحصول على «العدالة « وتذويب العنصرية تحت أقدام العدالة في ميادين العمل وفي المناصب الوظيفية وكلاكما على حق.
يقول السفير «قداد وش» في رسالته التي وجهها إلى الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، وهي الرسالة التي أوضح فيها وبشجاعة أسباب استقالته ولم تخطئ أخبارها الطريق إلى عديد من الصحف، ومنها بعض الصحف العربية، وقد حدث هذا وذاع صيتها وانتشر، وهزت مسبباتها زوايا ذاكرة المواطن العربي الذي استحل صدر المقالة وسحبها معه لتسير هذه الحروف لا شعوريا بأمره للتعبير والتذكير والتنكيد إن أمكن!.
عن استقالته المُسببة يقول السفير في رسالته لرئيس الدولة إنه لقي في وزارة الخارجية -مقر عمله في بلاده- «أكثر أنواع العنصرية انحطاطا» واتهم الإدارة فيها بتبني النظرة العنصرية وهدد بتقديم الدعوى ضدها أمام القضاء والنائب العام بتهمة «التصرفات العنصرية والتمييز الاجتماعي في التعامل مع الموظفين» وأضاف أنه سيمضي في قضيته حتى النهاية منددا بقانون الصمت الساري بين الموظفين، وخلص إلى أن اسمه العربي جعله عرضة للتمييز.
المواطن العربي الذي أشقاه الخبر اكتفى أخيرا بتقليب دفتر الذكريات، وزود دوائر أوجاعه بالوقود من محطات أحاديث الداخل والخارج، عن التهميش، الإقصاء، الطائفية وبقية المنظومة المزعجة، وتعوذ من إبليس وزاده من اللعنات، وفي النهاية استعاد أنفاسه وعدل عن تقديم استقالته التي نوى بعد النظر في سجل عائلته والتدقيق في عدد أفراد أسرته العاطلين عن العمل، ولم يذق ليلها طعم النوم من هم الديون، وفي الصباح تأمل وجوه القوم حوله وقال بينه وبين نفسه حسنا إنني لم أفعلها يا معالي السفير. ويبقى السؤال: كم قداد وش يسير بيننا بلا استقالة؟
كدت أن أفعلها يا معالي السفير!
مانع اليامي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
