حدث تاريخي وعظيم أن بادر خادم الحرمين الشريفين بإنشاء مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، وذلك في وقت عسير، كانت بلدنا خلاله تعيش في ضبابية ما بعد أحداث تفجير البرجين، وحوارية الطيف الأوحد، الذي يلغي الأطياف الأخرى، بتدني للحرية الفكرية، وفقد للغة الحوار.
والحوار هو لغة تمازج ووحدة الشعوب الراغبة في صنع قاعدة وطنية متينة
لا تتزعزع، والتحسين والتطوير، وفتح أبواب التقدم العلمي، والعملي والنهضوي، وبما يجعل جميع الأطياف الدينية، والفكرية، والعرقية، والسياسية متوافقة على طريق متوسط ليس فيه إضرار بفئة معينة، ولا تهميش ولا إقصاء لمواطن مهما كان نوع اختلافه، فالتعددية سنة الله في الكون، ولا يمكن استنساخ نفس القالب لجميع من يعيشون على ثرى وطن واحد، خصوصاً لو كان الوطن عريقاً عبرت فوقه شعوب، وثقافات، وحضارات؛ وعرف انتكاسات، وتحولات تاريخية.
والحوار هو ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى، ولكن أي حوار نقصد؟
إنه ذلك الحوار المؤدب، المحترم بين الطرفين، بلغة راقية، يسمع قدر ما يتكلم، ويتفهم، ويعرف أنه صواب ما لم يثبت خطأه، والذي يعتذر ويتراجع عما يثبت أنه قد فهمه بشكل مغلوط؛ ولا ينتهج التخوين، ولا يحاول التغاضي والتمرير والكذب والتزوير للتشبث بالموروث.
حوارنا الوطني حصل فجأة على شكل عملية إنقاذ ومعالجة سريعة لوضعٍ شعرنا أنه قد أوصلنا إلى مرحلة كارثية من التردي.
ومركز الحوار الوطني كُلف بمهمة صعبة للغاية، وقد تحرك على مدى إحدى عشرة سنة، ولكن المعالجة فيه لم تكن فاعلة بالشكل المطلوب، فلم يتم بعد تحديد ملامح حوارنا الوطني، ولا صنع هيكل خطابنا الثقافي بالشكل، الذي كنا نتأمله.
مهمة شاقة، وكم نتمنى أن لا يطول مداها، وأن لا نظل في كل عام نبذر ولا نجني الجديد.
ثقافة الحوار يجب أن تمنهج دراسياً لأبنائنا الصغار، فلا يضطرون عند كبرهم للبحث عن أبجدياته، وهذا دور وزارة التربية والتعليم، كما أن الدور يمتد للأسرة والمجتمع.
واجتماعات المركز وإن اختلفت قليلاً إلا أنها تظل تدور في حلقة البدايات الأولى، دون قدرة على تخطيها بوضع منهجية صريحة واضحة قوية حرة للحوار تمثل جميع الطوائف الوطنية وبدون انتقاء.
الدول المتقدمة أنهت حوارها منذ زمن طويل، فلم تعد تختلف على الأساسيات، وأصبح مواطنيها كالبنيان المرصوص يهتمون، ويتشاركون، ويتفهمون، ويبنون، ويبدعون.
وكم نتمنى أن يأتي يوماً على مركز الملك عبدالعزيز للحوار والوطني، فنجده قد تحول إلى متحف نتذكر فيه مراحل تغلبنا على حيرتنا وخلافاتنا، وأن نفتخر بأن يزوره القاصي والداني ليشهدوا خلاصة تجربتنا العظيمة، التي نقلتنا من الألف إلى كامل حروف الأبجدية في الحوار.
متحف لنماذج من تجاربنا الناجعة في صنع خطابنا الوطني الثقافي الموحد، الذي يعبر عنا فرداً فرداً، ذكر وأنثى؛ وبشتى أطيافنا وأشكالنا ومعتقداتنا ومنابعنا وأفكارنا.
متحف الحوار الوطني
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
