أعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بلاده إلى الدكتاتورية، من الكرملين إلى شبه جزيرة القرم.
وهو يمثل شكلا من أشكال الاستمرارية مع التقاليد الثقافية لروسيا حيث تملك جينات وراثية خاصة تتجاوز الثورات السياسية، كما يقول ألكسندر إتكايند أستاذ التاريخ الثقافي بالجامعة الأوروبية بفلورنسا، في مقال بعنوان “استباقية روسيا لمقاومة الثورة” ونشر أمس الأول على موقع سيندكت بروجكت.
وأكد إتكايند أن هذه الطبيعة الخاصة للروس تؤدي بهم إلى دعم بوتين تماما كما أيدوا يوما ما الرئيس الأسبق جوزيف ستالين، ومن قبله القيصر رومانوف.
لكن هذا النهج الإمبراطوري التوسعي للروس من الإمبراطورة كاترين الثانية إلى بوتين تخللته استثناءات قليلة ولكنها حاسمة في التاريخ، كما يؤكد إتكايند.
فقد تخلى القيصر الكسندر الثاني عن ألاسكا، وانسحب فلاديمير لينين من أوكرانيا، وأخيرا انسحب ميخائيل جورباتشوف من وسط أوروبا في محاولة لإنهاء الحرب الباردة.
ويشير إتكايند إلى أن الفساد هو القاعدة في روسيا اليوم، ونظام بوتين هو مجرد النسخة الروسية من المحسوبية، مع الثروة والفرص الاقتصادية التي يتم توزيعها على أساس الولاء السياسي.
وهذا كله كان، ولا يزال، معروفا للغرب جيدا، حيث تم امتصاص الموارد والأموال من روسيا ومواطنيها، كما سمح لبوتين ورفاقه باستثمار مكاسبهم غير المشروعة في البنوك الأوروبية والأمريكية والعقارات ودفع الرسوم والرهون التي غذت نمو الأرباح للشركات الغربية.
مكاسب الغرب بعد أكثر من ربع قرن (1989 ـ 2015) مما يسمى سياسة “الليبرالية” الاقتصادية، حسب إتكايند، لاقت عدم ارتياح هائل من الروس العاديين وهو ما يهدد بثورة اليوم، كل شيء أصبح متاحا: من السلع المستوردة إلى الرهون العقارية، ومع العقوبات الاقتصادية الأخيرة على روسيا ساءت الظروف بشدة.
وكشفت أزمة أوكرانيا في العمق عن أمرين:
1 قوضت التعاون طويل الأمد بين روسيا والغرب والمبادئ المهمة في النظام الدولي الحديث.
2 الغرب كان يعرف حجم الفساد ونقص الاستثمارات، والإفراط في الاستغلال والفوضى التي تميز روسيا بوتين، ولكنه لم يتحرك ضد روسيا إلا عندما صدر بوتين أزمته الداخلية والفساد الاقتصادي إلى الخارج عام 2014 وجعله مبدأ السياسة الخارجية، وعندئذ فقط أصبح بوتين مصدرا للقلق الدولي.
لكن ما هو مخطط الغرب والولايات المتحدة لروسيا؟في حوار زبيجينو بريجنسكي مستشار الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، الأخير حول “أمريكا ولعبة حفظ التوازن الدولي” سأله المحاور عما هو الحدث الذي قد يحمل القدر الأكبر من المفاجأة للعالم في 2015؟قال “ربما الظهور التدريجي لطبقة متوسطة ليبرالية أكثر حزما على الساحة السياسية في روسيا”.
والواقع أن هذه الطبقة كانت قد بدأت تضطلع بدور أكثر أهمية في صياغة السياسة الروسية المحلية والدولية في عهد دميتري ميدفيديف.
ولكن مع عودة بوتين إلى السلطة، نحيت هذه الطبقة جانبا بفعل الشوفينية الوطنية التي أوقظت عمدا وتم تحفيزها بشكل مكثف.
ولكن التلويح براية الشوفينية قد لا يكون الحل الأفضل في التعامل مع المشاكل الدولية، وخاصة إذا كان الغرب ذكيا وموحدا.
وبطبيعة الحال، ترغب الطبقة المتوسطة الروسية في الحياة في مجتمع أشبه بمجتمعات أوروبا الغربية.
والواقع أن روسيا التي تبدأ تدريجيا في الانجذاب نحو الغرب ستكون أيضا روسيا التي تتوقف عن تعمد تعطيل النظام الدولي.
هل تكون ثورة روسيا مفاجأة العالم في 2015؟
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
