الفلسفة تطرق أبواب السعودية وتغيّب الحداثة
7 دقائق للقراءة

حجم الخط
سجلت الساحة الثقافية والفكرية في الآونة الأخيرة تطورا مثيرا بدخول فاعلين جدد لم يكن لهم صوت أو حضور من قبل. وسرعان ما وضعوا لأنفسهم موطئ قدم بعيدا عن ضجيج الهموم اليومية، وبات لافتا حضور الفلسفة في المشهد المحلي بعد قطيعة طويلة عن الخوض فيها. وبدلا من «نزار قباني« و»غازي القصيبي« و»قاسم حداد« و»غادة السمان« وغيرهم من شعراء وروائيين، تلهج الألسن بأيقونات جديدة على الأسماع، غدا »كانت« و»هيجل« و»نيتشه« و»فوكو« وغيرهم من الفلاسفة والمنظّرين، من قبل الميلاد وحتى اليوم، النجوم المفضّلين لدى جيل جديد من الشبان استلبتهم الفلسفة، وأبحروا في لجّتها.
في الرياض وجدة والدمام وبريدة وغيرها من المدن السعودية، ينتظم أكاديميون وشبان في حلقات فلسفية بموعد ثابت كل أسبوع أو شهر، يشتعل المساء حينها حول النظريات والأفكار.
بمجهود شخصي انطلقت في الرياض قبل نحو أربعة أعوام حلقة فلسفية تتبع للنادي الأدبي، صاحب المبادرة هو عبدالله المطيري الكاتب في صحيفة الوطن، وسرعان ما لقيت الفكرة ترحيبا لدى رئيس النادي آنذاك سعد البازعي، وهو من المهتمين أصلا بالفلسفة نقدا وكتابة. ومن بين الأسماء المؤسسة والمشاركة في الحلقة حمد الراشد وسليمان السلطان وعبدالسلام الوايلي وعبدالرحمن الحبيب، وهم ما بين باحث وأكاديمي ومهتم، وأثمرت تلك اللقاءات المنتظمة كتاب »أوراق فلسفية« صدر منه جزآن، والثالث في طور الإعداد.
في الرياض وجدة والدمام وبريدة وغيرها من المدن السعودية، ينتظم أكاديميون وشبان في حلقات فلسفية بموعد ثابت كل أسبوع أو شهر، يشتعل المساء حينها حول النظريات والأفكار.
بمجهود شخصي انطلقت في الرياض قبل نحو أربعة أعوام حلقة فلسفية تتبع للنادي الأدبي، صاحب المبادرة هو عبدالله المطيري الكاتب في صحيفة الوطن، وسرعان ما لقيت الفكرة ترحيبا لدى رئيس النادي آنذاك سعد البازعي، وهو من المهتمين أصلا بالفلسفة نقدا وكتابة. ومن بين الأسماء المؤسسة والمشاركة في الحلقة حمد الراشد وسليمان السلطان وعبدالسلام الوايلي وعبدالرحمن الحبيب، وهم ما بين باحث وأكاديمي ومهتم، وأثمرت تلك اللقاءات المنتظمة كتاب »أوراق فلسفية« صدر منه جزآن، والثالث في طور الإعداد.
--------------------------------------------
السلطان: لا تتعارض مع الدين
وعن البدايات، يلفت أحد مؤسسي الحلقة سليمان السلطان إلى أن النصاب الفكري في السعودية كان يفتقر بصورة كبيرة إلى التأسيس الفلسفي للعلوم الإنسانية والطبيعية، مثلما هو موجود لدى الغرب، مؤكدا أن غياب هذا العنصر كان أحد الأسباب الرئيسة في ضعف الساحة الثقافية والفكرية في السعودية.
ومثال ذلك لدى السلطان هو الحداثة التي شكلت في فترة ما مدا قويا انخرط فيه كثير من المثقفين والكتاب والمشتغلين بالإبداع الأدبي، إلا أن عدم وجود الأساس الفلسفي لهذا المد، أسهم، وفقا للسلطان، في عدم متانة هذه الحركة من الناحية النقدية، وسرعان ما عانت من الارتداد، ولم تستطع أن تتغلغل ثقافيا أو مجتمعيا، وبات مصيرها الذوبان. ويرى السلطان أن »البنيوية ما هي إلا فكرة فلسفية أخذت فيما بعد منحى أدبيا، كما أن ما بعد البنيوية كانت بدايته فلسفية، والنقد الظاهراتي أيضا كان في بداياته رؤى فلسفية، فالفيلسوف يبدع رؤية فلسفية جديدة، تتلقفها النخب في المجالات الإنسانية كالأدب والفنون وحتى في العلوم، وينعكس ذلك على علوم إنسانية أخرى، مثل علم النفس الوجودي والنظريات التي تتبنى الوجودية«.
أما عن مقدار الشغف والاهتمام بالفلسفة، فتشهد به تغريدات «تويتر»، الذي أصبح منصة جديدة لأولئك المهتمين بها، ويشير السلطان إلى أن أصحاب دور النشر في معرض الكتاب بالرياض مذهولون من الإقبال الكبير على شراء الكتب الفلسفية، في بيئة طاردة للفلسفة.
هذا المناخ الطارد لحضور الفلسفة مرده إلى مواقف مبدئية مفادها أن الفلسفة تتعارض مع الدين، ومرجعها - بصورة أساسية - الفكرة السابقة من الفلسفة اليونانية، واتهام الفلاسفة بأنهم حفنة من المهرطقين والملحدين، لكن السلطان لا يرى أي مجال لوجود تعارض في الفلسفة الحديثة مع الدين، لأنها أخذت أبعادا وأشكالا مختلفة عن الفلسفة الكلاسيكية، ماعدا أن الصراع في فترات سابقة كان أيديولوجيا وليس معرفيا كما هو الحال اليوم، فيما نشأ سوء الفهم نتيجة أن الاشتغال بالفلسفة لا يجيده سوى النخبة، مع أن الفلسفة تدرس في جامعات إسلامية، وهناك محافظون مثل طه عبدالرحمن وأبو يعرب المرزوقي ممن يصنفون على أنهم إسلاميون يتعاطون مع الخطاب الفلسفي.
ومثال ذلك لدى السلطان هو الحداثة التي شكلت في فترة ما مدا قويا انخرط فيه كثير من المثقفين والكتاب والمشتغلين بالإبداع الأدبي، إلا أن عدم وجود الأساس الفلسفي لهذا المد، أسهم، وفقا للسلطان، في عدم متانة هذه الحركة من الناحية النقدية، وسرعان ما عانت من الارتداد، ولم تستطع أن تتغلغل ثقافيا أو مجتمعيا، وبات مصيرها الذوبان. ويرى السلطان أن »البنيوية ما هي إلا فكرة فلسفية أخذت فيما بعد منحى أدبيا، كما أن ما بعد البنيوية كانت بدايته فلسفية، والنقد الظاهراتي أيضا كان في بداياته رؤى فلسفية، فالفيلسوف يبدع رؤية فلسفية جديدة، تتلقفها النخب في المجالات الإنسانية كالأدب والفنون وحتى في العلوم، وينعكس ذلك على علوم إنسانية أخرى، مثل علم النفس الوجودي والنظريات التي تتبنى الوجودية«.
أما عن مقدار الشغف والاهتمام بالفلسفة، فتشهد به تغريدات «تويتر»، الذي أصبح منصة جديدة لأولئك المهتمين بها، ويشير السلطان إلى أن أصحاب دور النشر في معرض الكتاب بالرياض مذهولون من الإقبال الكبير على شراء الكتب الفلسفية، في بيئة طاردة للفلسفة.
هذا المناخ الطارد لحضور الفلسفة مرده إلى مواقف مبدئية مفادها أن الفلسفة تتعارض مع الدين، ومرجعها - بصورة أساسية - الفكرة السابقة من الفلسفة اليونانية، واتهام الفلاسفة بأنهم حفنة من المهرطقين والملحدين، لكن السلطان لا يرى أي مجال لوجود تعارض في الفلسفة الحديثة مع الدين، لأنها أخذت أبعادا وأشكالا مختلفة عن الفلسفة الكلاسيكية، ماعدا أن الصراع في فترات سابقة كان أيديولوجيا وليس معرفيا كما هو الحال اليوم، فيما نشأ سوء الفهم نتيجة أن الاشتغال بالفلسفة لا يجيده سوى النخبة، مع أن الفلسفة تدرس في جامعات إسلامية، وهناك محافظون مثل طه عبدالرحمن وأبو يعرب المرزوقي ممن يصنفون على أنهم إسلاميون يتعاطون مع الخطاب الفلسفي.
--------------------------------------------
الوايلي: الاحتفاء بالأدب على حسابها
يرى أستاذ علم اجتماع المعرفة عبدالسلام الوايلي أن إهمال الفلسفة فيما مضى، كان مرتهنا بكون المشهد الثقافي السعودي، على مدى تاريخه، معنيا بالأدب (قصة ورواية وشعر)، وبالفنون الأدائية فقط، ومن أجل ذلك نشأ جسدان تنظيميان هما الأندية الأدبية، وجمعيات الثقافة والفنون، بل إن الانضمام للنادي الأدبي، كما يلفت الوايلي، مشروط بالحصول على شهادة البكالوريوس في الأدب، أو إصدار كتاب في هذا المجال، ما يعني أن تعريف الثقافة أخرج كثيرا من المهتمين بالمعرفة من الدائرة، واضطر أستاذ التاريخ أو علم الاجتماع أن يفرض حضوره في الأندية الأدبية من خلال الأدب وليس من مجال تخصصه. ويضيف «إن انتشار الحلقات الفلسفية والفكرية في السعودية هو تصحيح لخطأ تاريخي في تعريف من هو المثقف وما هي الثقافة وما مجالاتها، كما أن المجتمع يتمدن ويتطور ويفرز مجالات ثقافية أخرى لا ترتبط بالأدب وفروعه، وهو ردة فعل وربما علاج للخلل في عدم إدراج الفلسفة في المناهج التعليمية على اعتبار دورها الأساس في ضبط المفاهيم.
المثير، وفقا للوايلي، أن أغلب الشبان المشتغلين في النقاشات الفلسفية لم يتلقوا دراسات عليا في هذا المجال، واتجهوا بعيدا عن الأدب إلى الفكر ثم المعرفة الفلسفية، ولاحظوا الفراغ التنظيمي لهذا المجال، فنشطوا في إيجاد هذه الحلقات.
فالنجومية اليوم تبتعد عن شعراء الحداثة وكتاب القصة القصيرة والروائيين، لتتجه نحو المشتغلين بالمجالات الفلسفية والفكرية.
من ناحية أخرى، فإن السبب وراء عدم الثقة في الفلسفة لدينا مرده، إلى أن المجتمع هنا معاد للفكر والثقافة، ويدلّل على ذلك من خلال الحفاوة الكبيرة التي وجدها كتاب عوض القرني «الحداثة في ميزان الإسلام» لدى الناس، من دون فهم وإدراك لمفهوم الحداثة،
المثير، وفقا للوايلي، أن أغلب الشبان المشتغلين في النقاشات الفلسفية لم يتلقوا دراسات عليا في هذا المجال، واتجهوا بعيدا عن الأدب إلى الفكر ثم المعرفة الفلسفية، ولاحظوا الفراغ التنظيمي لهذا المجال، فنشطوا في إيجاد هذه الحلقات.
فالنجومية اليوم تبتعد عن شعراء الحداثة وكتاب القصة القصيرة والروائيين، لتتجه نحو المشتغلين بالمجالات الفلسفية والفكرية.
من ناحية أخرى، فإن السبب وراء عدم الثقة في الفلسفة لدينا مرده، إلى أن المجتمع هنا معاد للفكر والثقافة، ويدلّل على ذلك من خلال الحفاوة الكبيرة التي وجدها كتاب عوض القرني «الحداثة في ميزان الإسلام» لدى الناس، من دون فهم وإدراك لمفهوم الحداثة،
--------------------------------------------
المطرفي: مدرسو العقيدة يجهلون حقيقتها
عن الاهتمام المتزايد بالفلسفة في أوساط نخبة من الطلاب الجامعيين وجيل «تويتر»، يرى مدير مركز نماء للدراسات ياسر المطرفي، أن الاشتغال الفلسفي في الساحة السعودية حديث النشأة، ولا يزال يُمارس بشكل ذاتي وشخصي، وفي دوائر محدودة، فليس ثمة أقسام تعليمية فلسفية،وليس ثمة درس علمي خارج إطار الجامعات.
ويضيف المطرفي «أن تكرار أسماء الفلاسفة في أحاديث الشباب المثقف يعكس الرغبة في الاقتراب من هذا الحقل أكثر مما يعكس امتلاكه ومعرفته، إلا أن هذا الإقبال وهذه الرغبة ستولّدان، ولو بعد حين، حضورا واشتغالا حقيقيين، ما يعني أننا بحاجة إلى النظر بشكل جديد إلى مثل هذا الإقبال«.
يرى أنه بالإمكان أن يدخل التفلسف في جميع حقول العلوم النظرية بما فيها الحقل الشرعي بعد أن كانت معزولة في حقل ضيّق متخصص، وهذا يشبه ما حصل من نقاش في الدعوة للانتقال من علم الكلام بمفهومه واشتغالاته الكلاسيكية إلى علم الكلام الجديد. وأقسام العقيدة تعاني من مفردات لا تساعد على تعلم الفلسفة،كما تعاني من مدرّسين لا يمتلكون معرفة حقيقية بالفلسفة، فكثير منها معنون بـ(نقد الفلسفة)، كيف يمكنك أن تنقد الفلسفة وأنت لم تعرفها بشكلها الصحيح؟، فالغزالي كتب (مقاصد الفلاسفة) قبل أن يكتب (تهافت الفلاسفة) بمعنى أنه اشتغل ببيانها قبل نقدها. ولذلك يقول في كتابه (المنقذ من الضلال): «علمت يقينا أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم».
وبنظرة تاريخية على الموقف المتحفظ من الفلسفة في التراث الإسلامي منذ ظهور الفلسفة نجد هذا الرفض والتشكيك بحسب المطرفي له أسبابه التاريخية، والمفارقة أن هذا الموقف المتحفظ من الفلسفة في التراث كان يماثله نفس الموقف من تعلم المنطق، ولكن اليوم يتم تعليم المنطق في الأقسام الشرعية ويتم تدريس نقده كذلك، مع أن الموقف من العلمين فيهما متقارب. إن البحث الفلسفي القديم الذي دار حوله الجدل كان مشغولا بسؤال الوجود الذي يتقاطع مع الرؤية الدينية، ما أدى إلى حال من التحفظ حوله، لكن الفلسفة اليوم لم تعد تتمحور حول سؤال الوجود بل تجاوزته إلى غيره.
ويضيف المطرفي «أن تكرار أسماء الفلاسفة في أحاديث الشباب المثقف يعكس الرغبة في الاقتراب من هذا الحقل أكثر مما يعكس امتلاكه ومعرفته، إلا أن هذا الإقبال وهذه الرغبة ستولّدان، ولو بعد حين، حضورا واشتغالا حقيقيين، ما يعني أننا بحاجة إلى النظر بشكل جديد إلى مثل هذا الإقبال«.
يرى أنه بالإمكان أن يدخل التفلسف في جميع حقول العلوم النظرية بما فيها الحقل الشرعي بعد أن كانت معزولة في حقل ضيّق متخصص، وهذا يشبه ما حصل من نقاش في الدعوة للانتقال من علم الكلام بمفهومه واشتغالاته الكلاسيكية إلى علم الكلام الجديد. وأقسام العقيدة تعاني من مفردات لا تساعد على تعلم الفلسفة،كما تعاني من مدرّسين لا يمتلكون معرفة حقيقية بالفلسفة، فكثير منها معنون بـ(نقد الفلسفة)، كيف يمكنك أن تنقد الفلسفة وأنت لم تعرفها بشكلها الصحيح؟، فالغزالي كتب (مقاصد الفلاسفة) قبل أن يكتب (تهافت الفلاسفة) بمعنى أنه اشتغل ببيانها قبل نقدها. ولذلك يقول في كتابه (المنقذ من الضلال): «علمت يقينا أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم».
وبنظرة تاريخية على الموقف المتحفظ من الفلسفة في التراث الإسلامي منذ ظهور الفلسفة نجد هذا الرفض والتشكيك بحسب المطرفي له أسبابه التاريخية، والمفارقة أن هذا الموقف المتحفظ من الفلسفة في التراث كان يماثله نفس الموقف من تعلم المنطق، ولكن اليوم يتم تعليم المنطق في الأقسام الشرعية ويتم تدريس نقده كذلك، مع أن الموقف من العلمين فيهما متقارب. إن البحث الفلسفي القديم الذي دار حوله الجدل كان مشغولا بسؤال الوجود الذي يتقاطع مع الرؤية الدينية، ما أدى إلى حال من التحفظ حوله، لكن الفلسفة اليوم لم تعد تتمحور حول سؤال الوجود بل تجاوزته إلى غيره.
