نَجْمُ شُبَّاك

في تاريخ الشِّعْر، وفي تاريخ الثَّقافة عامَّةً، رأيْنا أنَّ البحث والنَّقْد إنَّما اخْتُصَّ بهما المشاهير، وأُغْفِلَ مَنْ سِواهم مِنَ الأدباء، وكثيرٌ منهم مجوِّدٌ مُبَرّز، سَواءٌ منهم مَنْ نَجَتْ آثارهم مِنْ عوادي الزَّمان، أوْ أولئك الَّذين ظَهَرْنا على نِتَاج عقولهم في دواوين الأخبار والنَّوادر والآداب، فقرأْنا شِعْرًا عالِيًا وأدبًا ممتازًا، قلَّما ظَفر منشئه بعناية النُّقَّاد، إلَّا ما سِيقَ شاهدًا في كتابٍ مِنْ كُتُب البلاغة والنَّقْد، في القرون المتأخِّرة.
لهذه الظَّاهرة أسبابها وسِياقاتها الَّتي لا مجال لتبيانها في هذه الأسطر، ويكفي أنْ نُلِمَّ بتلك الآثار، لِنَعْرف أولئك الشُّعراء الَّذين جَوَّدوا في أشعارهم، وضَرَبوا فيه بِسَهْمٍ وافر، ومع ذلك تَوَارَى إنتاجهم عن الأنظار، وتَوَانَى النُّقَّاد، إلَّا في القليل النَّادر، عنْ درْسهم.
هذه الظَّاهرة الَّتي ترتفع بأدباء وتَنْزل بآخرين، مهما تَسَاوَوْا في التَّجويد، لم يَنْجُ منها عصرٌ مِنَ العصور، وربَّما حَلَا للقُرَّاء، متأثِّرين بفنّ السِّينما، أن يَدْعو المشاهير «نُجُومَ الشُّبَّاك»، يُشَبِّهونهم بالممثِّلين الَّذين يَقْصد الجمهور دُور السِّينما مِنْ أجْل أحدهم، دون سواه مِنَ الممثِّلين المقتدرين.
لا أنفي الإبداع ولا التَّميُّز عن الأدباء المشاهير، وفي الأصحّ عنْ جمهرةٍ منهم، وأرى أنَّ مِنْ أَوْلَى ما ينبغي للنَّقْد الصَّحيح أداؤه، الفحْص عنْ هذه الظَّاهرة: كيف نشأتْ؟ ولِمَ؟ وما الَّذي رفع أديبًا وبَوَّأَه مكانةً تَفُوق أديبًا آخَرَ. هذا إذا تَجَنَّبْنا الخوض في الوسائل غير الأدبيَّة الَّتي تُقدِّم أديبًا على آخرين.
لا يستطيع أحد أن ينفي أنَّ هذه الظَّاهرة قدْ أصابتِ الأدب بضَررٍ جسيم، وحَرَمَتْ أجيالًا مِنَ الانتفاع بتلك الآثار الممتازة، وربَّما صَحَّ أنْ نرجع شيئًا مِنْ أسبابها إلى كسل النُّقَّاد، فيَسِيرٌ على هذا النَّاقد أوْ ذاك أن يُجْرِيَ قلمه في آثار ثُلَّةٍ مِنَ الأدباء، ويُرِيح نَفْسه مِنْ تَتَبُّع الَّذين يكتبون وليس يعنيهم إلَّا أن يكتبوا ويُجَوِّدوا، وإنْ أرادوا لِمَا يُنْشِئون الذُّيوع والانتشار، وقَعَدَ بهم حظُّهم عنْ أن يكونوا «نُجُوم شُبَّاك».
لا تُعَنِّ نَفْسك، كثيرًا، بالالتفات إلى مَنِ احتلُّوا الصُّفوف الأولى، ولا تَخَدَعنَّكَ أنوار المصابيح ولا ألوان التَّطْرية، وأَدِمِ النَّظر في الظِّلّ، فربَّما كان مصدر الضَّوْء هناك.
