من حق حكومة المملكة العربية السعودية أن تهب لحماية الدين الإسلامي من أية ذبابةٍ تطنُّ حول أنفه الأشم؛ فتفرض ما تراه مناسباً من عقوباتٍ تعبِّر لدولة كهولندا عن غضبنا واحتجاجنا الرسميين؛ إيماناً برسالتها التي تحملها راية التوحيد الخالدة، كما تحمل راياتُ كثير من الدول الأوروبية العظمى الصليبَ بأشكاله الرأسية والأفقية والمحورية و(المعقوفة)!
دولتنا لم تقصِّر قط، والتاريخ يشهد حتى وصف الإعلام الغربي خادم الحرمين الشريفين بـ(صانع التاريخ) حين غزا العالم بالحوار وهو أمضى أسلحة الفكر، ولكن ماذا عنا نحن المحسوبين على الفكر وأمانة الكلمة؟
لقد نزل القرآن العظيم متحدياً الإنس والجن، مبادراً إلى الحوار والجدل، مصدِّقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل، ومصحِّحاً بوضوحٍ لا يقبل المواربة لما تسرب من تحريفٍ بشري إلى ديانات إخواننا الذين سبقونا بالإيمان من اليهود والنصارى والصابئين، فمن المسؤول عن انقلاب المعادلة ونكوص (الذين آمنوا) ـ لا الدين المحمدي العظيم ـ إلى خانة الدفاع بدلاً من الهجوم، والاكتفاء بردة الفعل العابرة بدلاً من الفعل الباقي؟
وإنما دعا القرآن العظيم إلى الحوار وأعلن التحدي للعقلاء والمنصفين الباحثين عن الحقيقة حيثما كانت، أما السفهاء فقد أمرنا بالترفع عنهم والإعراض عن جهلهم قائلاً تبارك وتعالى: «إنَّا كفيناك المُستهزئين»، فلماذا تركنا ما وجهنا إليه: «ولا تجادلوا الذين أوتوا الكتاب إلا بالتي هي أحسن» وانحدرنا إلى منازلة الحمقى ومجانين الشهرة؟
وإذا كانت هولندا، وقبلها النرويج في قضية الرسوم المسيئة لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، والولايات المتحدة الأمريكية في الفيلم الشهير، تحتجُّ بحرية التعبير واحترام الرأي المخالف حتى لمعتقداتهم هم، فكيف نواجههم برقابة وضعت أصابع يديها الثماني على أفواهنا وإِبْهَامَيْهَا في آذاننا فجعلتنا عاجزين عن تقبِّل بعضنا؟ وكيف ندين الفيلم وكثيرٌ منا يحرِّم الفن ويجرِّم أهله؟
وتؤذينا بعوضةٌ من الخارج لأن مناعتنا من الداخل أوهن من بيت العنكبوت!
"لا هاي" ولا صباح الخير!!
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
