يتّصل وجود الأدب الساخر بأصالة ببدايات الفنّ الغائرة في التاريخ، فمنذ اللحظة التي بكى فيها الإنسان وجوده ومكابدته، غلّف ذلك بفكاهة وسخرية تدفع عنه ثقل لحظة الوجود القاسية. ولعلّه ما زال إلى الآن يكابد الوجود بمسحة من الفكاهة، وحالة من السخرية؛ الفرحة حينًا، والسوداويّة في أكثر الأحيان.
فمنذ اليوم الذي اكتشف فيه الإنسان حاجته إلى التعبير عن الذات بوسائط الفنّ المتعدّدة، ومنذ ذلك اليوم الذي اتّخذ فيه من اللغة أداة للإفصاح، وطريقة للتواصل، سبق إلى أداته تلك سوء التوصيل جهلاً أو قصدًا، أو قُل: انحرف عن أصل التواصل عجزًا أو مكرًا، فأضحك وأبكى ببلاغة واعية أو ببلاهة حمقاء في الحالين معًا.
وهكذا صار الفنّ بعامّة، والأدب منه بخاصّة، محاكاة وتعبيرًا وخلقًا وانعكاسًا، وأمكن أن يكون الفنّ، بذلك كلّه، لعبًا بامتياز كما يرى الفلاسفة الألمان (كانت) و(شيللر) و(جادامير)، واللعب هو المضمار الفاتح الشهيّة لكل تهكّم وسخرية في هذا الوجود الذي يقوم في جوهره على المفارقة الكونيّة الكبرى بحسب فهم الفيلسوف الوجودي (سورين كيركيجارد) لها.
إنّ الأدب الساخر (أو أدب الفكاهة والتهكّم والهجاء والضحك والتعريض والدعابة والاستخفاف) ونشأته وأساليبه وأنماطه وأهدافه ودوافعه لتتداعى جميعها إلى الذهن وتتداخل لتعلن عن تلك الأصالة البادية فيه، والمؤكّدة انتشاره بين جميع الشعوب، وفي كل الآداب دون استثناء.
فالأقوال القديمة الساخرة، الشذريّة الطابع، ترقى إلى ما قبل اجتراح الكتابة، ولعلّها تسبق في وجودها بدايات الشعر بكثير، فلا ندري على وجه التحقيق متى بدأت النوادر والنكات بأنواعها بين بني البشر.
وإنّ الكوميديا اليونانيّة استعراض ماجن، وهي أدب سخرية بامتياز، وكذلك نصّ «الضفادع» لأرستوفانيس في القرن الخامس قبل الميلاد، وأغلب ما كتب جاحظنا الكبير هو أدب ساخر، وعلى الأخص في رائعتيه البخلاء والتربيع والتدوير، وكذا مقامات بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجريّ، فهي من جذور الأدب الساخر عالميًّا دون مراء.
الأدب الساخر
جمال مقابلة2 دقائق للقراءة

حجم الخط
