عوامل كثيرة لم تجعل الديانات الرساليّة تقتحم صحراء العرب قبل الإسلام، أهمها بالطبع العامل السياسي. وعندما نقول إن للعرب ديانتهم الخاصة الإبراهيمية المشوبة بالوثنية، فإنها ليست بميزة؛ بل كثير من الأمم تشترك في ذلك والتي لها دياناتها الخاصة، كالفرس والهنود والصين وشعوب أوروبا وأفريقيا الوثنية. بقي العرب كغيرهم متمسكين بديانتهم الوثنية كنوع من الاعتزاز القومي، ولم يكن هذا الشعور لدى خزاعة أو قريش فيما بعد كحراس لبيت الرب وحسب؛ بل طغى هذا الشعور على معظم القبائل العربية حتى القحطانية منها والتي ليست من ولد إسماعيل. فكانت قبائل العرب تحج كل عام لمكة، ولكل قبيلة تلبية خاصة بها، كما ورد في كتب التاريخ، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحين موسم الحج لدعوة العرب، وقد دخل الأنصار في الإسلام في موسم الحج وخلال سنتين متتاليتين تمت بيعتا العقبة، وقرر الرسول الهجرة.
لم يكن الدافع إلى الحج دينيا صرفا بل ربما يقع تحت إلحاح الشعور القومي، والحاجة إلى الوحدة كأمة. مثلما يجتمعون في أسواقهم الثقافية كل عام بفعل وحدة اللغة ووحدة الثقافة.
عندما ظهر الإسلام كانت الحاجة إلى الوحدة في أوجها، ففي تلك الفترة وقعت غزوة الفيل بعدما عمد أحد العرب إلى إلقاء القاذورات في «القلّيس» كعبة الحبشي في صنعاء، كنوع من الاحتجاج على محاولة منافسة المركز الديني للعرب (مكة)، وحدثت كذلك غزوة ذي قار، فوفدت جميع العرب على المدينة بعد أن ظهر أمر محمد، وكان انضمام العرب للدين الجديد فعلا سياسيا محضا، فقد كانوا يترقبون صاحب هذا الدين الجديد، فإن ظهر على قومه حراس بيت الرب دخلوا في دينه. حتى بعد وفاة الرسول انقسم المرتدون إلى فئتين: فئة تبعت كل قبيلة منها نبيها المدعي، وفئة أخرى لم تكفر وإنما امتنعت عن أداء الزكاة. وكأنها مشاريع سياسية للبحث عن الزعامة. منذ ذلك الحين ومشكلة الوحدة لدى العرب تكمن في الوحدة السياسية. فهم يعيشون في وحدة ثقافية واجتماعية واقتصادية، إلا أن القصور في مفهوم الدولة قد أدى إلى اضطراب الوحدة السياسية. لم يحسم الأمر مبدئيا فقد كانت دولة المدينة دولة مدنية صرفة، أقرت كل قبيلة على مضاربها، ولها رئيسها، التزاماتها تجاه الدولة تتمثل في النفير ودفع الزكاة فقط. وقد لبى النفير الكثير من حاجات العرب التواقين إلى غزو الشمال. الأمر الذي جعل الدولة الساسانية تنشئ إمارة الحيرة لصد المد العربي تجاه العراق، وكذلك فعل البيزنط عندما أسسوا إمارة الغساسنة. انتقل القلق حول مفهوم الدولة العربية الموحدة إلى مرحلة صدر الإسلام، وظل مستمرا حتى نشأة دولة بني أمية ذات الطابع العربي الخالص، فلم تقم الدولة بتعريب القوميات الأخرى وحسب بل عربت الاقتصاد المتمثل في إصدار أول دينار عربي، وعربت السياسة فحرم غير العرب من الخلافة والولايات العامة والقضاء والإمامة، وعربت الإدارة بتعريب الدواوين. عربت أيام الحجاج فقد عهد إلى صالح بن عبدالرحمن بنقل الديوان من الفارسية إلى العربية وقد كان صالح يحذق الفارسية والعربية معاً وجعل له أجلاً لذلك فأتم صالح مهمته بنجاح وقيل: إن (مرادنشاه) ابن (زازان فروخ) كاتب الحجاج بذل له مائة ألف درهم على أن يظهر العجز عن هذا العمل ويمسك عنه فأبى فدعا عليه إذ إنه قطع أصل الفارسية! وألزم الخرسانيون بدفع الجزية حتى بعد إسلامهم، فكانوا عصب الثورة العباسية. وظهرت الشعوبية كردة فعل على سيادة العرب وتفشت العصبية القبلية بين العرب أنفسهم، وثار البربر في المغرب العربي واستولى العسكر الترك على الخلافة وتبعهم البويهيون الفرس واستولوا عليها كذلك. وتسلم الترك الخلافة وكان هاجسهم عودة الخلافة للعرب فاضطهدوهم ونكلّوا بهم. ولم يزل مفهوم الدولة لدى العرب قلقا، ومتنازعا بين إسلاميين يريدون خلافة كخلافة بني أمية لاستعباد الأقوام الأخرى، وعلمانيين يريدون التخلص من الدين الذي جاء لتوحيد الشعوب.