عندما أستمع لكلمة إرهاب لا يأتي في بالي إلا تلك الصور المليئة بالدماء، والتي ترتسم على محياها كثير من المعاناة والفقدان، لا أعلم ما هو السر الدفين بين تلك الصور وهذه الكلمة، إذ إنني أحياناً أجد أنها كلمة بريئة لا ذنب لها غير أنهم جعلوها مسمى لتلك الأفعال السيئة!
علاء المكتوم شخص استخدم هذه الكلمة لكن في معنى آخر لا يقل بشاعة عن المعنى الأصلي لها، حيث أنه استخدمها في تعريف المعاناة التي ترتبط بالحوادث المرورية وأطلق عليها مسمى إرهاب الشوارع وذلك في عمله المبدع على موقع ”اليوتيوب “، معللاً هذه التسمية بأن الحوادث المرورية تفتك بالبشر أشد من تلك الحروب والعمليات الانتحارية وغيرها من أعمال الشغب أو الخراب بين الدول أو بين البشر أنفسهم.
عندما ننظر إلى الحوادث المرورية بمنظور الأرقام والإحصاءات سنجد أنه في عام 2009 فتك الإرهاب بعدد 4644 روحا بشرية بينما فتكت الحوادث المرورية بما يقارب الـ6485 ضحية! وعندما نفصّل هذا الرقم قليلاً سنجد أن هُناك 17 حالة وفاة كل يوم، مما يعني حالة وفاة كل أربعين دقيقة، هذا ومن المتوقع أيضاً أن يتجاوز عدد الضحايا في عام 2019 الـ9604 ضحية، أعتقد أن كلمة إرهاب قد تجعل من هذا الأمر رقيقاً نوعاً ما، إذ إن الأمر تعدى وحشية الإرهاب بكثير!
خلال العشرين سنة الماضية كان هناك سنة حروب قد بلغ مجمل ضحايا 82 ألف ضحية، بينما خلال نفس المدة قد تعدى عدد الضحايا 86 ألف ضحية جرّاء الحوادث المرورية، كما أن الإصابات بلغت 611 ألف إصابة في أربعة ملايين حادث!
على الجانب الآخر، لننظر إلى الأمر من الناحية المادية سنجد أن التكلفة في عام 2009 قد تعدى حاجز 13 مليار ريال سعودي، ومن المتوقع أن يتضاعف المبلغ أكثر من مرة في عام 2019 ليصل إلى 23 مليار ريال سعودي، أعتقد بأن هذه المبالغ قادرة على إحياء دول كاملة إذ إنها تمثل ميزانية كاملة!
الغريب في الموضوع بأن غالبية الحوادث ليست على الطرق السريعة كما هو متوقع وبديهي، بل أن أغلبها يكون داخل المدن بنسبة 72 % من مجمل الحوادث، وقد اعتلت السرعة الزائدة عرش أسباب الحوادث إذ إنها مسؤولة عن 65 % من هذه الحوادث، أعتقد بأن هذا ما يؤلم في جُل الموضوع. الحلول من حولنا كثيرة، لكن من يا ترى يسعى لتنفيذها، الأمر لا يحتاج إلا لتكاتف العديد من المسؤولين مع المواطنين لتنظيم حملات توعوية عن هذه الظاهرة، إذ إن المجتمع بأكمله يحتاج لتوعية وإعادة زرع لثقافة القيادة بشكل كامل، والتركيز على بذرة السرعة الزائدة والتخلص منها خوفاً من فساد بذور القيادة الأخرى، إذ إن كثيرا من الأشخاص يتساهل في هذا الأمر، ويعتبر بأنه كلام محشو أو مجرد عبارات تافهة لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا ألومهم في هذا التفكير إذ إننا مللنا من العبارات المنددة بعدم السرعة فنحن بحاجة لتوضيح حقائق وأرقام تركز على أسباب الحوادث بشكل دقيق حتى يقتنع كل شخص قناعة شخصية، فتجد أنه بدلاً من محاولة نشر هذه الثقافة أنها بدأت بنشر نفسها تلقائيا بين فئات المجتمع بدون تدخل أحد آخر، فتغيير المجتمع بأكمله لا يتم ببعض اللافتات، بل يحتاج إلى تغيير العديد من القناعات الشخصية.