البيوت الذكية .. هي ثمرة جديدة من ثِمار التقدم العلمي، وهي عبارة عن شقق وفلات يُستخدم فيها أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا، فهي تُدير ظهرها للشمس صيفا وتستقبلها في الشتاء، وبها شبكة معلومات مُتكاملة تُنبه الساكن لدرجة الحرارة، وتحميه من الأمراض، والتيار الكهربائي بها ينقطع تلقائيا، والنوافذ تُفتح وتُغلق عند حلول النهار والليل، ومنازل هذا القرن أخشابها لا تحترق وتُقاوم الفِطريات، وتحمي نفسها من اللصوص والحيوانات الضالة.
فيحلم العُلماء والمعماريون والمهندسون، وأشهرهم المُهندس المعماري الألماني هيوبرت فرتيز، الذي يُعد من العلامات البارزة في العمارة الألمانية والأُوروبية بوجه عام، بالبيت الذكي الذي يجد الإنسان فيه راحته، حيث يُمكن إعادة تشكيله بسهولة لدفع الملل عن نفوس ساكنيه، ولا يُستخدم أية طاقة صِناعية على الإطلاق، بل يعتمد على الطاقة المُتجددة فقط.
وهذا الحلم يشغل أذهان المهندسين والمعماريين في أنحاء العالم، فالبيت ذو الاستهلاك المُنخفض للطاقة، أو البيت الإيجابي، أو البيت فوق العادة، كلها في النهاية أسماء مُتعددة لمُسمى واحد وهو البيت الذي يحتاج فقط نسبة ضئيلة من حرارة التسخين أو الكهرباء التي تستهلكها البيوت التقليدية في الوقت الحالي.
وبحسب الرؤية التي يتبناها فرتيز، فإن البيت لا يستحق أن يندرج تحت المُسميات السابقة إلا إذا كان استهلاكه للكهرباء يقل عن استهلاك البيوت المُماثلة التقليدية بنسبة 40% على الأقل، وهذا الأمر يُمكن أن يتحقق من خِلال عاملين أساسيين: الأول فهو جدران جيدة العزل تمنع تسرب الطاقة إلى خارج المنزل قدر الإمكان، والثاني الاستغلال الأمثل للطاقة الشمسية.
ويُؤكد المهندس الألماني على أهمية النظرة البيئية وتوافرها في البيت الذكي، خاصة عند تحقيق حلم الطاقة المنخفضة، حيث يُنادي بأنه يجب الاتجاه إلى توفير الوقود العُضوي، واستخدام الطاقة الشمسية؛ لأن الشمس والرياح والماء والغاز العُضوي، كلها قادرة على مواجهة احتياجات الإنسان بشرط أن يخفض احتياجاته من الطاقة بنسبة 50%، والواقع أن هذا الأمل لم يتحقق إلا عام 1991 عندما أُقيم أول بيت من هذا النوع في كادمشتاد بألمانيا، ومع نهاية العام 1995 طالعتنا الإحصائيات أن 5% من البيوت الألمانية طبقت بأمانة هذه المُواصفات ونجحت في تقليل استهلاكها للطاقة.
ويجد هذا النوع من البيوت قُبولا مُتزايدا من جانب العملاء كل يوم، حتى إن الإحصائيات تؤكد أنه خلال هذا العام سوف تُحقق هذه البيوت في ألمانيا 10% من النسبة الذهبية التي يتمناها العلماء، وهي 40% من استهلاك الطاقة.
بيوت ضد اللصوص
يُؤكد العلماء والمعماريون أن البيوت الذكية يجب أن تُصبح واحات يلجأ إليها صاحبها للراحة والاسترخاء دون أن يتعرض لمواد كيماوية، أو استرخاء بدون كيماويات؛ لأن الاسترخاء ينطوي في الوقت نفسه على تكنولوجيا تجعل الحياة أكثر سهولة.
فمن مظاهر الذكاء في تكنولوجيا إنتاج البيت الذكي أن النوافذ تُغلق من تلقاء نفسها عندما تبدأ أجهزة التكييف في العمل، وعندما ترتفع درجة حرارة الشمس، فإن الستائر تنسدل تلقائيا، قبل أن تبدأ أجساد سُكان البيت في إفراز العرق بفعل حرارة الشمس، والتكنولوجيا التي تتحكم في كل هذه المزايا يُمكن السيطرة عليها والتحكم فيها من خلال التلفون.
ويؤكد فرتيز أننا بحاجة إلى بيوت تحتاج عناية أقل حتى تُوفر لأصحابها وقتا أكبر يتفرغون فيه لأعمالهم الخاصة أو على الأقل للعناية بأطفالهم بشكل أفضل، وخاصة أن مميزات هذه البيوت أن النوافذ تُنظم نفسها بنفسها، وبالنُظم الالكترونية التي تُوفر الأمن للبيوت ضِد هجمات اللصوص أو الحيوانات الضالة، والرائع فِعلا أن المادة التي تُبنى بها البيوت الذكية هي من الأخشاب التي لا تحترق، وتُقاوم الفِطريات.
الاستشعار عن بُعد
والبيوت الذكية لا يتوقف انتشارها على ألمانيا وأوروبا فقط، بل إنها تنتشر أيضا وبكثرة في العديد من الدول الإسكندنافية مثل السويد والنرويج والدنمارك، وهذه البيوت تم تصميمها وإعدادها وتجهيزها لمساعدة «المُعاقين» على الحياة بأكبر قدر ممكن من الاستقلال.
والأمر هنا ليس مجرد أبواب تُفتح وتُغلق بالضغط على الأزرار، بل إنه نوع من المساعدة الذكية لهؤلاء الذين حُرموا من نِعم كثيرة.
وعلى سبيل المِثال، بمجرد ارتفاع درجة الحرارة تُفتح نوافذ المنزل، وينقطع التيار الكهربائي تلقائيا عن مواقد الطهو، كما أن نظم الإدارة مصممة بحيث تعمل تلقائيا أيضا عند حلول الظلام، وجهاز التكييف مُبرمج عند درجة مُعينة، وكذلك كل شيء موجود في المنزل يعمل من خلال شبكة معلومات مُتكاملة، والتي يتم تغذيتها بالاحتياجات اللازمة لكل ساكن على حِدة، فمثلا يُمكن تزويدها بأجهزة استشعار تعمل عند إصابة أحد النُزلاء بالصرع، وعند وُصول صُحف الصباح على الباب.

