طرح عدد من الباحثين والأكاديميين العرب أوراقا بحثية عالجت في مجملها ''التساؤلات العميقة والمقلقة» التي يطرحها الشباب المسلم اليوم حول طبيعة التدين وأنماط السلوك الديني ومرجعيتها، وعلاقتها بالتراث التقليدي وبمشاريع بناء الدولة الديموقراطية في زمن الربيع العربي.
المفكر اللبناني رضوان السيد انتقد الأطروحات الإصلاحية التي قامت بها مدارس فكرية وسياسية للواقع الإسلامي وذلك عبر نقد التراث أو ما يسميه السيد بـ»نقد التقليد»، معتبرا أن فشل هذه التيارات سواء تلك المرتبطة بـ»الإسلام السياسي» أو «الفكر السلفي» بتنويعاته المختلفة وصولا إلى صيغته الجهادية، أو حتى التيارات العقلانية، تسبب في إهدار الوقت وإخلاف الموعد مع تحقيق التغيير المنشود وخروج المسلمين من مأزقهم الحضاري.
ودعا السيد، خلال افتتاح مؤتمر «تحديات تجديد الخطاب الديني والإشكالات التي يطرحها» الذي تنظمه مؤسسة «مؤمنون بلا حدود» (غير حكومية) أمس الأول بمراكش، إلى مساءلة هذه العملية النقدية التي انبرت مختلف الاتجاهات الفكرية الإصلاحية أو العقلانية التنويرية وحتى السلفية إلى خوض غمارها منذ نهاية القرن التاسع عشر، من أجل تجديد الخطاب الديني، والانطلاق عوضا عن ذلك إلى إصلاح الدولة الوطنية وبنائها على أسس المواطنة الصالحة، معتبرا أنه من الضروري الخروج من أزمة «نقد التقليد» (أزمة نقد التراث) التي انتهت إليها التيارات الفكرية الإسلامية والتنويرية على حد السواء، والعمل على إعادة إحياء الأدوار القديمة التي اضطلعت بها المؤسسات الدينية التقليدية، من أجل «تصحيح مسار للتدين» في المجتمعات العربية، والنأي به عن الصراعات، وعن الانحدار إلى أي «منزع تطرفي» يسيء إليه.
وفي ذات السياق النقدي، هاجم السيد مفكرين حداثيين من أمثال الجزائري محمد أركون وغيره ممن انشغلوا بهاجس «نقد التراث الديني» وبيان مواطن الخلل داخله، دون أن ينجحوا -حسب السيد - في الانتهاء من هذه العملية والانتقال إلى مستوى إبداع الحلول لمواجهة التحديات المعاصرة التي تعترض المجتمعات الإسلامية والعربية، وتفكيك الخطابات السائدة التي تحول دون هذه المجتمعات وتحقيق النهضة المنشودة، لافتا إلى أن الواقع العربي الإسلامي بعد ما شهدته المنطقة من تحولات سياسية متسارعة خلال السنوات القليلة الماضية، أضحى يعاني بعد صعود السلفيات المتطرفة، وشن هجمات سبتمبر من مأزق آخر تمثل في نظرة الغرب إليه باعتبار أن هذا الواقع في كليته «عالم متطرف» دون تمييز، وهي نظرة جائرة وغير موضوعية، حسب المفكر اللبناني.
وفي هذا السياق اعتبر المفكر المصري حسن حنفي في مداخلة له أن تجديد الخطاب الديني يجب أن ينطلق من إعادة النظر في العلاقة بين ثنائية «اللفظ» والمعنى» وضرورة تجديدها، فالألفاظ المستخدمة في التراث الإسلامي - حسب حنفي - تلبس لبوس الأزمنة التي تعاصرها وتستخدم فيها، وما يجب أن يدفع المسلمين إلى التحرر من إيسار بعض الألفاظ التي تؤثر سلبا على تراثهم كالرق وأهل الذمة وغيرهما.
وأشار حنفي إلى أن الصراع اللغوي اليوم في العالم الإسلامي هو بشكل ضمني صراع على السلطة وذو بعد سياسي، محذرا من الاختلال في العلاقة بين الألفاظ ومعانيها المتداولة الذي يجعل المجتمع أسيرا لنوعين من الخطابات، أولهما الخطاب السلفي الذي يستند إلى اللغة القديمة ومعجمها ومعانيها التقليدية، وخطاب تغريبي منفصل عن إطاره الحضاري يستدعي لغة الثقافة المعاصرة ولا يجدد لغة تراثه.
ورأى حنفي أن المثقفين العرب لم ينجحوا في مشاريع ''تطويع اللغة» وإدراك أن تغيرها وتحولها هو تعبير عن الانتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، حيث احتفظوا على ثبات المعاني والألفاظ رغم تبدل الأزمنة السياسية والفكرية، ولم يهتموا بجدلية «الثابت والمتحول» داخلها.
من جانبه تناول الباحث المغربي محمد شبار انعكاس ما يحدث في الداخل الإسلامي على المسلمين الذين يعيشون خارج الرقعة الإسلامية، مبينا أن إغراق الثقافة العربية والإسلامية في الخصوصيات الثانوية ألغى عنها بعدها الكوني الذي يميز خطابها، وأثر بالتالي سلبا على المسلمين الذي يعيشون خارج العالم الإسلامي.