ثمة إجماع على القلق، لدى جميع البعثات الأجنبية الديبلوماسية في العاصمة الهندية دلهي، بعد الإعلان عن فوز حزب بهاراتيا جانتيا الهندوسي القومي، فيما يشبه التسونامي الساحق. فقد بات من المؤكد، أن يشكل هذا الحزب حكومة قوية برئاسة «نارندرا مودي». في هذا الخضم، تشعر بالحيرة والقلق عما ستكون عليه السياسة، في بلد ينمو باطراد، وقد نشأت مصالح مشتركة لهذه الدول معه، في ظل حكومة حزب المؤتمر العلمانية.
بدت ست عواصم قريبة أي من الإقليم، أعمق قلقاً فيما هي تراقب تطورات العملية الانتخابية الهندية واحتمالاتها: إسلام آباد، داكا، كولومبو عاصمة سريلانكا، العاصمة النيبالية كاتماندو، ثيمفو عاصمة مملكة بوتان، وبكين. فباستثناء ثيمفو، التي اتسمت علاقاتها مع الهند بالاستقرار؛ يدور جدل محمل بالافتراضات ونقيضها، في العواصم الخمس الأخرى، التي اضطربت علاقاتها بدلهي في كل العهود. فعلى صعيد العلاقة مع باكستان، التي شهدت تطورات إيجابية مهمة في فترة ولاية الدكتور»مانموهان سينج» رجحت فيها أوجه التعاون في منطقة الحدود ونمت المصالح المشتركة وتراجع التوتر إلى معدلات دنيا، على الرغم من كل ما فعله العسكريون المناوئون للهند في باكستان، وأمثالهم المناوئون لباكستان في الهند. كان السؤال الباكستاني في هذا السياق: هل سيتغير الوضع في عهد «مودي»؟ واتسمت الإجابة بالغموض. فهناك، في باكستان، مجموعة ضغط متفائلة ترى أن مجيء اليمين الهندوسي القومي إلى السلطة في الهند، من شأنه تعزيز الروابط والعلاقات الثنائية بين البلدين، لأن هذا حدث فعلاً في 1999عندما استقل رئيس حكومة اليمين «أتال بيهاري فاجبايي» حافلة وقام برحلة إلى لاهور في باكستان، تلبية لدعوة رسمية من رئيس وزرائها نواز شريف. بعدها، وعندما جاء برويز مشرف إلى السلطة في إسلام آباد، ظلت الهند وباكستان على تعاونهما، على الرغم مما يسميه الهنود «خيانة كارجيل» نسبة إلى المدينة الكشميرية الحدودية، التي جرت فيها عمليات تسلل مكثفة من الباكستان، تسببت في اندلاع اشتباكات هندية باكستانية!
المتفائلون اليوم، بمجيء «مودي» يقولون إن المناخ بين الهند وباكستان، سوف يتحسن، وإن التجارة ستنشط. وبالمقابل، هناك مجموعة ضغط باكستانية متشائمة، تجزم بأن العلاقات ستظل متوترة خلال فترة حُكم «مودي» لأنه سيحرص على الاحتفاظ بثقة ناخبيه ذوي الميول الهندوسية اليمينية والمتطرفة، وذلك إن لم تُظهر باكستان استعداداً لتقديم تنازلات ملموسة. ويعتقد هؤلاء أن أنفة «مودي» وكبرياءه، سيجعلان من غير الممكن له ولحزبه، إبرام صفقة مع باكستان، بعد وصولهما إلى السلطة، طعن الناخبين الذين رفعوهما إلى الحكم ويرون في باكستان عدواً رئيساً!
الإعلام الباكستاني، وكُتّاب الأعمدة في الصحف، يقولون إن الأمور ستكون صعبة على إسلام آباد، بعد تسلم «مودي» للحكم. وركز المتشائمون من «مودي» في باكستان، على إشاراته وتصريحاته العدائية ضد بلادهم وضد الصين، أثناء الحملة الانتخابية.
أما في الصين، فإن المحللين ينقسمون في آرائهم وتختلف التقديرات. قسم من الخبراء الصينيين، يرى أن لا تغيير متوقعاً. فالأعمال التجارية والاقتصادية ستمضي كالمعتاد، وستظل إشكاليات الحدود مجمدة، ولن يحدث اختلاف كبير على الرغم من طبيعة الحزب الذي في الحكم. لكن قسماً آخر من الخبراء الصينيين، يرى أن حزب «بهاراتيا جاناتا» BJP عندما يحل في الحكم، سوف يعزز الروابط مع الولايات المتحدة واليابان وستتحرك الدول الثلاث في تناغم استراتيجيي يتعلق بالمنطقة. ومن خلال ضخ تمويلات كبيرة للاستثمار في الهند، سيكون للمنافس الأول للصين في قطاع التقنية، وهو اليابان، موقعه الأقوى في مباراة المنافسة على السوق الهندية. كذلك فإن من أسباب التوقعات الصينية السلبية، ما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية الخاصة، التي نشأت بين تايون، التي تحتفظ الصين بعداوتها لها، وولاية «جوجارات» عندما كان يحكمها «مودي». فمن خلال هذه الولاية، وسعت تايوان أعمالها في الهند، بينما الصين تدفع بقوة لتوسع أكبر. من هنا، تتخوف بكين، من أن تفضل حكومة «نارندرا مودي» تايوان على الصين الشعبية!
وبينما تتحسب كلٌ من بنجلاديش وسريلانكا من التغيير في الهند؛ فإن نيبال سترحب بمجيء «مودي» لأن حزبه كان الداعم الأكبر لقطاع العقارات في تلك الجمهورية المعلقة في جبال الهملايا. لكن داكا، عاصمة بنجلاديش، ستكون متشككة في نوايا «مودي» لأنه كان أوضح وأعلى صوتاً في تصريحاته السلبية المتعلقة بالمهاجرين البنغال. فهناك اتفاقية ترسيم حدود وأراضٍ، معلقة بين الهند وبنجلاديش، تتطلب التنفيذ من الحكومة الهندية، ولا تعرف داكا ما إذا كانت حكومة «مودي» ستغير الموقف على نحو إيجابي أم لا. في الوقت نفسه، تشعر حكومة الشيخة حسينة، بالقلق من مسألة أخرى، وهي احتمالات أن تدعم حكومة «مودي» الهندوسية اليمينية، الجماعات الأصولية الإسلاموية، سعياً إلى زعزعة الاستقرار في بلادها.
وتتخذ مسألة التوقعات بعد تسلم حزب «بهارتيا جاناتا» للحكم، منحى أكثر حدة بخصوص سريلانكا. فقد أسس الحزب سلفاً، تحالفات قوية مع أحزاب ومجموعات «التاميل نادو» وأصبح الأقرب إليهم.
ما بعد الطوفان القومي في الهند
عدلي صادق4 دقائق للقراءة

حجم الخط
