الطبيعة هادئة حتى في إزعاجها. المطر يتساقط، والرياح تسري، والأمواج تتلاطم، ومع ذلك فكل صوت مما سبق له سحره الخاص.
حتي الرعب الذي كان يسببه الرعد كان له سحره أيضا قبل أن يفسد الإنسان الأمر باختراعه القنابل والمفرقعات.
منتصف القرن الماضي كان شاب أمريكي يبيت ليلته بولاية نيوميكسيكو عند أقارب له يسكنون على بُعد كيلومترات من موقع لاختبار الأسلحة النووية، حين قام فجراً مذعوراً، إذ سمع صوت انفجار مكتوم وشعر باهتزازات بالمنزل، فما كان من قريبته النائمة إلا أن فتحت عينيها وقالت له متثاقلة: «لا تنزعج يا عزيزي، إنها مجرد قنبلة ذرية أخرى»!
الإنسان يتكيف مع ما حوله ويظن أنه طبيعي حتى لو كان قنبلة ذرية. وفي معظم شوارع المدن الكبرى بعالمنا العربي لا نجد قاسماً مشتركاً أكبر من الضوضاء، فهي السمة السائدة. فعادة ستجد خليطاً متنافراً من الأصوات يستمر لفترات طويلة مما قد يفقدك أعصابك إذا ركزت معه، لكن الحمد لله أننا لا ننتبه لكونه أمراً بشعاً برغم وضوحه التام!
بعض البشر لا يشعرون بكيانهم ووجودهم إلا حين يرفعون صوت المذياع مثلاً ليسمعوا ويسمع معهم المئات حولهم. حتى الأعداء وعوا قيمة الضوضاء كسلاح فعال، فإسرائيل مثلاً حين تريد أن تتسلى بترويع الآمنين لا تقوم بأكثر من طلعات جوية على ارتفاعات منخفضة بسرعات عالية فتُحدث ضوضاء كبيرة تتسبب في تكسير الزجاج وإثارة الرعب.
ولأننا نحب الضوضاء فقد حولناها إلى مظهر من مظاهر الفرح، فإقامة حفلات الزفاف في الشوارع تشبه حفلات الهنود الحمر لاستجلاب المطر، أما آلات تنبيه السيارات عندنا فليس غرضها التحذير وقت الضرورة، ولكن هدفها الإزعاج طوال الوقت. إحداث الضوضاء أصبح حقاً للجميع، حتي إن المقابر صارت بهدوئها أكثر مكان يريح الأعصاب!
الهدوء يقود إلى التأمل الذي يقود إلى توليد الأفكار ومن ثم الإبداع، أما الضوضاء فلا يمكن أن تؤدي إلا إلى التراجع درجات أخرى على سلم التقدم. أرجو أخي القارئ أن تقرأ مقالي هذا بصوت عال وتزعج من حولك. مارس حقك يا صديقي!
النوم على قنبلة ذرية!
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
