لم تكد تنتهي جدلية الأدب الإسلامي وعزله عن الأدب بصفة عامة، والتي عززتها القصيم، إلا وتجددت هذه الأيام قضية أكبر، تمثلت في إعلان نادي القصيم الأدبي عن جائزة نسائية خاصة بالمرأة السعودية، والتي رأت فيها المثقفة تمييزا عنصريا ضدها، وعزلا واستنقاصا لإبداعها، فيما رأى البعض أنها مسألة خاضعة للجو العام الذي تمر به المرأة في مجتمعنا، ويستلزم فيه دعمها.
الدكتورة لمياء باعشن ترى أن هذه الجائزة تعيب الحركة الثقافية والأدبية، وتعطل مسيرة الأديبات، لأنها ليست إلا تمييزا ضد المرأة يعزز إقصاءها عن المضمار العام للأدب، تقول: إن في الجائزة إعلانا مجحفا في حق المبدعة عن استحالة تنافسها مع الأدباء على جوائز تشمل الجنسين، وفي حين أننا نتهاون مع هذه الجائزة، ونصفق للنوايا الحسنة التي أضمرتها، فكيف سيكون موقفنا من جوائز مقبلة ستعلن أنها تحتفي بالأدب الرجالي فقط، وتستثني النساء من التنافس عليها؟ ما دمنا اتفقنا أن هناك جوائز تخص النساء فلا مانع إذن من وجود جوائز تخص الرجال، وعليه فإن الرسالة المختفية في طيات هذه النوايا الحسنة تبدو لنا جلية واضحة: إن القدرات الكتابية والفكرية للنساء مختلفة عن القدرات الرجالية، وفوز امرأة على نساء لا يمكن أن يتساوى أبداً مع فوز امرأة على رجال.
أمل زاهد، تقول: غني عن الذكر أن الإبداع لا جنس له؛ والتميز الأدبي لا يمكن تقسيمه أو فصله حسب جنس منتجه؛ من هذا المنطلق الرافض لتقسيم وتجزئة الإبداع لا أستطيع أن أنظر لجائزة التميز الأدبي النسائي التي طرحها نادي القصيم خارج إطار التمييز المستتر ضد المرأة؛ وهو نوع من التبخيس والانتقاص يلبس ثوب التكريم والإشادة كونه يتضمن مسكوتا عنه يحيل إلى عدم تمكن المنتج الأدبي للمرأة من منافسة ما ينتجه الرجل، لذا تُوضع له مقاييس ومعايير مختلفة يقيم بناء عليها!
ثقفنة التمييز ضد المرأة
وترى سهام القحطاني أن الجائزة تصفر الجهد الثقافي للمرأة، إذ تقول: لعل الوصف الأولي لِما أقدم عليه نادي القصيم من «تمييز سافر نحو المثقفة من خلال هذه الجائزة» أنه ردة ثقافية تُعيد المثقفة إلى المربع الأول «للنساء فقط»!
ما معنى «تخصيص جائزة ثقافية للمثقفة دون المثقف»؟ وما مسوغاتها في فترة تقاسم المرأة السعودية الرجل في كل شيء.
إن التخصيص دائما دلالة على «مراعاة قصور النقص عند فئة ما» وليست علامة قيمة، وهذه «المراعاة» تعني «نزع الفئة المستهدفة» عن «كمال الكفاية والكفاءة» مع نظير إما أنه يكفر بمبدأ مساواة النظراء بين الرجل والمرأة أو يسعى إلى ترويج «ثقافة الفصل العنصري بين الرجل والمرأة» لتمرير مبدأ «حرمانية اختلاط الإنتاج الثقافي بين الرجل والمرأة»؛ فإذا تقبلنا اليوم فكرة جائزة «للمثقفات فقط» فغدا «سنضطر أن نقبل فكرة جائزة «للمثقفين فقط»، وهو ما يعني تصفير الجهد الثقافي لمثقفات واجهن صعوبات وتحديات لنزع «مبدأ فكرة حاجز التمييز ضد المثقفة» من عقلية التفكير الثقافي في السعودية.
اصنعوا جوائز للرجل إذن
وتبين الدكتورة عائشة الحكمي أنها ضد تخصيص جوائز معينة للمرأة، وتضيف «ما قام به نادي القصيم يعد تمييزا عنصريا ضدها، وهضما لحقوقها وعزلها أكثر عن المجتمع، وإلا لماذا لا يكون هناك جائزة للرجل إذا كان الهدف منها دعم المرأة».
وتضيف: أنا أقبل هذا الأمر لو كان ما قبل التعليم، أما الآن، فالمرأة السعودية حاضرة بقوة في كل المناسبات والجوائز الثقافية،وليس في إعلان هذه الجائزة أمر مقنع وعقلاني، لأن المرأة متميزة، ولن نرضى بالأسطوانة المشروخة التي تقول إننا مظلومون ومهمشون.
أما الدكتورة هتون الفاسي فتقول: لا أستطيع أن أحكم على الجائزة بأنها تمييز عنصري ضد النساء، بل ربما تكون تمييزا إيجابيا مفيدا، فأغلب الأمم كانت تقوم في بداياتها على التمييز الإيجابي المفيد، ففي كثير من الأحيان وخاصة في الجو العام الذي تعيشه بعض البلدان، تضطهد فيه حقوق المرأة، وتكون قوانينه ضدها، فيلجؤون إلى حق الكوتا؛ نظام الحصص، إذ يطالبون لها في المجالس المنتخبة وغيرها بحصة، حيث لو تركت المسألة للرغبات وقانون الصندوق كما يقال، لن تصل المرأة إلى نتيجة في ظل الأجواء السلبية حولها بمجتمعنا خاصة.
الجائزة تكريم وليست تمييزا
وفي اتصال هاتفي مع رئيس نادي القصيم الأدبي الدكتور حمد السويلم قال إن الجائزة جاءت لإبراز جهد المرأة، وليست ضدها أو تميّزها عن الرجل، بل من أجل إبرازها وتكريمها، فنحن اتجهنا لعمل هذه الجائزة لأننا لمسنا أن عيون المحكمين في الجوائز الأخرى غالبا ما تتجه للرجل، ويهمشون إبداع المرأة، فصوت الرجل هو الطاغي إعلاميا وفي الجوائز، لذا كانت الجائزة انتصارا للمرأة السعودية، أنا لا أقول إن إبداعها يختلف عن الرجل، فالكتابة ليس لها جنس، بل نظرت من جانب كيف نعطي هذه الكتابة مكانتها في ظل تولي الرجال أغلب الأمور الثقافية، وحتى بنك الرياض تحمس لهذه الفكرة، لأنه يشعر أن المرأة السعودية ما زالت تحتاج لدعمها وإبرازها في مجتمعنا.
«هذه الجائزة ليست إضافة نوعية كما يتوهم رجال نادي القصيم، بل هي انتقاص من قدرات المرأة الكتابية، هدفها مراعاة حال المرأة المسكينة التي لا تجد لها مكاناً في ساحة الأدب العامة، لضعف في مواهبها لا يؤهلها لمجاراة الأدباء. إن الجائزة المجندرة التي تتشح برداء رعاية النتاج النسائي وتفاخر به، هي في الحقيقة نوع من التمييز السلبي للمرأة، تحدد أطر فئيويتها الأقل والأضعف، وكأن معايير الحكم على كتابة المرأة تختلف عن معايير الحكم على كتابة الرجل، إلا إن كان الغرض من هذه الرعاية الخاصة هو المهاودة والتنازل للتطبيل للمواهب التي تجزم الجائزة أنها لا يمكنها أن تبرز في ظل البراعة الرجالية الضخمةَ»
لمياء باعشن
«النقطة الأهم والأخطر هي أن «هذا الاتجاه المعزز للتمييز ضد المثقفة» يأتي من نادي مدينة «معروف عنها تطرفها نحو المرأة وقيادتها لذلك التطرف»، ومواقفها السلبية من «تطور المرأة وممارستها حقوقها الدينية والوطنية والنهضوية» وبذلك يُخالف «نادي القصيم» رسالة الثقافة التي يجب أن يحملها النادي من خلال تعزيز القيم الحقوقية للمرأة والنهضوية، بما فيها المساواة الثقافية ومعادلة تكافؤ الفرص، لا تكريس التطرف العرفي نحو المرأة والتمييز ضدها بحيلة ثقافية ظاهرها رحمة وباطنها عذاب»
سهام القحطاني
«الجوائز الخاصة بالمرأة ربما جاءت لدعم النساء، إذ كان يلاحظ أنهن مهمشات، وإن هناك شعورا بعدم عدالة الجوائز المفتوحة أمام الجنسين، إذ تذهب أغلبها للرجال، فالمسألة تعتمد على فهم الجو العام لوضع المرأة، إضافة إلى الأخذ في الحسبان مسألة النسبة والتناسب، ودراسة شبه حصرية للأعمال الفائزة في الجوائز الداخلية ومن يسيطر عليها»
هتون الفاسي

