aldahian.
s@makkahnp.
com
كنت في الرياض ليلة وفاة الملك رحمه الله، وكنت مدعوا لدى أحد الأصدقاء، وقد وصلت إلينا تسريبات خبر الوفاة قبل إذاعته رسميا، فكنا بين مصدق ومكذب، وبعد انتهاء السهرة خرجت عائدا لمحل نزلي فحرصت على استطلاع أجواء الرياض؛ وهل ثمة حركة أمنيه تدل على حدث جلل؟ وذلك قبيل الإعلان رسميا بدقائق، وكان في ذهني أن قوات الأمن ستكون في كل زاوية ومنعطف لتؤمن حركة انتقال السلطة من أي طارئ إن كان خبر الوفاة صحيحا، لكن لم ألحظ أي حركة غير عادية سوى مواكب رسمية صغيرة من سيارة أو سيارتين تصاحبها سيارات الأمن وهي تمر بسرعة فائقة، فسرتها لاحقا بأنها مواكب بعض كبار الأمراء وقد استدعوا على عَجَل لاجتماع هيئة البيعة، ثم من الغد سافرت إلى القصيم الساعة الواحدة ليلا، ومررت في طريقي بثلاثة مراكز لأمن الطرق، وفي العادة يكون في تلك المراكز الثلاثة رجال أمن؛ منهم من يكون منتصبا في جانب الطريق يلاحظ السيارات المارة، ومنهم من هو في عمل داخل المركز، لكن ما لفت نظري في تلك الليلة أن تلك المراكز كانت فارغة من رجال الأمن إلا من سيارة أمن واقفة بجوارها، ولم ألحظ وجود رجال أمن فيها، مع حرصي على التأكد من ذلك، فلا أدري هل الأمر كان مقصودا للدلالة على أن البلد آمن مطمئن في أحلك الظروف؛ وهو ظرف وفاة الملك، أو أن الأمر كان اتفاقا؟ وأيا كان الأمر فهو دليل على أن وفاة الملك – على فداحتها وجلالة ظرفها – لم تتطلب إجراءات أمنية غير عادية كما يحصل في كثير من بلدان العالم الثالث التي تمر بمرحلة طوارئ في مثل هذا الظرف.
لماذا أكتب عن مشاهداتي تلك؟بعد وفاة الأميرين سلطان ونايف رحمهما الله، وتعيين الأمير مقرن وليا لولي العهد؛ وهو أصغر الأبناء الأحياء للملك عبدالعزيز - رحمه الله - أصبح أمر انتقال السلطة إلى الجيل الثاني من أبناء الملك عبدالعزيز محتما، ولمكانة السعودية اقتصاديا ودينيا في العالم كثرت التحليلات السياسية في أمر انتقال السلطة للجيل الثاني، ومما راج من تحليلات حتمية وجود صراع بين أبناء الجيل الثاني على السلطة؛ وكانت حجة المحللين في حتمية حدوث الصراع أن كثيرين من أبناء الجيل الثاني مؤهلين للمنصب، وبعض منهم في مركز سياسي قوي، وأذكر أني كنت في أحد المؤتمرات في المغرب، فدار حديث جانبي مع أحد ضيوف المؤتمر من تونس فكان يتحدث عن حتمية الصراع، وأن هذا ليس من تحليله بل هو تحليلات تداولتها كبريات الصحف العالمية، فكان من جوابي أن وسائل الإعلام تلك تتعامل مع المعطيات المتداولة عن واقع السعودية بمنطق سياسي مستمد من طريقة انتقال السلطة في الدولة التي لا تتبع نظام تداول السلطة بين الأحزاب، وهو منطق يرى انتقال السلطة في تلك الدول على أنها تجاذب بين مراكز قوى، تحشد فيها الأنصار، وتستخدم فيها كل وسائل الصراع، فهل هذا المنطق يصدق على الحالة السعودية؟أوافقك على وجود تطلعات من بعض أبناء الجيل الثاني، وهي تطلعات مشروعة ما دام أن مواصفات المرشح تنطبق عليه، لكنها تظل في حيز التطلع، وما لا تعرفه أو يعرفه أولئك المحللون أن منطق انتقال السلطة في السعودية ليس خاضعا للمنطق المعهود في تحليل انتقال السلطة في تلك الدول، فمسألة انتقال السلطة، وترتيب وراثة العرش هي بيد الملك الحاكم في السعودية يجعلها حيث يرى أن المصلحة تقتضي ذلك بعد أخذ رأي هيئة البيعة، ويظل الخلاف – إن وجد – في حيز مداولة أعضاء هيئة البيعة، ثم إذا صدر أمر ملكي بالاسم المختار تحول الأمر إلى إجماع يذعن له الجميع حتى من كان يتطلع للمنصب، فمن العرف المستقر لدى أفراد الأسرة الحاكمة أن استقرار البلد واجتماع كلمته مقدم على أي تطلع مهما كان صاحبه، ولهذا فالمتعارف عليه أن ترتيب الحكم في أبناء الملك عبدالعزيز يتم حسب السن، لكن هذا تم تجاوزه بسهولة في مرات عدة، ولم يثر ذلك أي معارضة من المعنيين بهذا التجاوز، بل أذعن الجميع ورأوا أن مصلحة البلد واستقراره واجتماع كلمته تقتضي ذلك، وهذا ما يفسر استمرارية انتقال السلطة من ملك إلى آخر بسلاسة منذ أكثر من نصف قرن، من دون فرض إجراءات أمنية مشددة لضبط مفاصل الدولة ضد أي طارئ، أو إعلان حالة الطوارئ، أو ملاحقة رجال العهد السابق كما يحدث في كثير من دول العالم الثالث.
ليلة وفاة الملك
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
