لو فكَّرنا في أكثر الجوانب التي نالت اهتمام الملك عبدالله، وأعظمها في الدلالة على إنجاز متميز له بالمقاييس الزمنية، فلن نتردد – فيما أحسب - في القول بأن من أبرزها صناعة وعي جديد، قائم على العلم والثقافة، وتعميقه في الضمير الوطني وبسطه في العقول والقلوب.
وهذه مسألة تجاوز وقائع التعليم والثقافة تقليدياً؛ فالعصر هو عصر التواصل والمعلومات، والثقافة ضئيلة القيمة إن لم تفتح وعي الإنسان على عصره، وتترامى به إلى الحساب للمستقبل، في الوقت الذي تؤكد على إنسانيته وتلهمه قيمه الروحية والاجتماعية.
ولقد كان الزمن شديد الحساسية ومقتضياً للإحساس نفسه الذي تفاعل به الملك عبدالله معه، ولخصال الشجاعة والثقة التي أهلته لهذا التفاعل؛ فتحققت – بحمد الله - اليقظة في وقتها المطلوب، الوقت الذي أخذت فيه ثقافة التطرف الديني وجرائم الإرهاب وتزييف التديُّن تنم عن وعي متخلف، وثقافة لا صلة لها بالاستنارة والمدنية!كان اهتمام الملك عبدالله بمجالات الثقافة والفكر وصياغة الوعي مبكر الظهور في سياق المسؤوليات التي تولاها.
فمهرجان الجنادرية، وهو تظاهرة فكرية عالية المستوى عربياً، إحدى مآثره، منذ كان رئيساً للجهة التي تنظمه وتشرف عليه وهي «الحرس الوطني».
وحين تولى مقاليد الأمور أصبحت الثقافة قطاعاً وزارياً يحظى بالاهتمام، وزاد عدد الأندية الأدبية، وتم إفساح المجال لانتخاب مجالس إدارتها، ودعمها مادياً.
وهذا منجز شبيه في المؤدى بتأصيل ثقافة الحوار التي تغرس احترام الاختلاف في المجتمع وتأسيس مركز معني بها.
وإلى ذلك فإن التأكيد على الاعتدال في الخطاب الديني ظاهر في معالجة قضايا المؤسسات الدينية في المملكة، وجَلْب المتجاوزين فيها للتحقيق والمحاسبة، ومتجاوز إلى بث خطاب متسامح في العالم عبر مشروع «الحوار بين أتباع الأديان» وتأسيس مركز دولي لهذا الغرض يحمل اسم الملك عبدالله.
وليس مشروع الابتعاث لطلابنا وطالباتنا إلى الخارج، وتطوير التعليم في الداخل، وتأسيس جامعات جديدة، والاهتمام بحضور المرأة وفاعليتها، وتطوير ثقافة الحقوق والتقاضي.
.
.
إلخ إلا علامة في اتجاه الدلالة على الوعي الثقافي المتجاوز، والذي حمل شعوراً بأن الإشكال المعاصر هو من طبيعة ثقافية فكرية، وأنه يُعَالج من هذه الزاوية أو لا يعالج أبداً.
ولحسن التوفيق، فإن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، وهو يتولى قيادة المملكة بعد رحيل الملك عبدالله إلى جوار ربه، مثقف من طراز ممتاز.
فعلاقاته الوطيدة بالمفكرين والكُتَّاب متصلة بعلاقته الحميمة بالصحافة ودوره في نهضتها وحريتها.
وإشرافه على مؤسسات علمية وثقافية معنية بتاريخ المملكة وتقدُّم وعيها الوطني، لا ينفك عن قناعته بقيمة التجديد الثقافي والتطوير العلمي.
وهذا يعني أن الأمل وثيق في إحداث فكر أكثر اتساعاً وتقدماً وصياغة، ثقافة منفتحة باتجاه الأهداف نفسها للنهضة والإصلاح في عهد الملك عبدالله؛ تلك الأهداف التي ما زالت تغالب فكراً يؤثر التعصب والتقوقع والانفصال عن العصر والتصادم معه.
فليرحم الله الملك عبدالله، وليحفظ لنا الملك سلمان، ويوفقه إلى قيادة بلادنا إلى مدارج الرقي والتقدم؛ فهو وحده – تعالى - الموفق والمعين.
الثقافة أولاً.. الثقافة أخيراً!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
