من متلازمات الحياة الإنسانية التي اقتضتها حكمة الله البالغة أن جميع البشر منذ أبيهم آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة بما فيهم الأنبياء والرسل عليهم السلام معرضون للابتلاء والامتحان، غير أن أكثر ما يكون وتشتد وطأته على المؤمن بخاصة، ليقيس بذلك الحكيم العليم جلّ وعلى قوة إيمانه وصبره وتحمله وثباته كما في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: إن عظم الجزاء من عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فعليه السخط والعياذ بالله، ولكون مرض كرونا والذي نعايش قلقه اليوم وغيره من الأمراض الأخرى الحديثة منها كمرض أنفلونزا الطيور والخنازير، والقديمة أيضاً كالطاعون والجدري والحصبة.. هو مرض ضمن منظومة الابتلاءات .
يحتم علينا جميعاً مع هذا الواقع الذي نحن فيه بل وفي عموم أحوالنا وظروفنا اللجوء إلى ربنا تبارك وتعالى، ولندرك مع هذا كله بأنه ما من أمة أو قوم أو مجتمع على مر التاريخ إلا وقد ابتلوا بمثل ذلك بل ولربما أكثر حين دمرتهم الزلازل والبراكين وغمرتهم مياه الأنهار والفيضانات وأرهقهم الفقر وأهلكتهم المجاعة وسحقت كثيرا منهم الحروب الدامية، والذي ربما يكون بحسب ما نستنتجه من القرآن الكريم نوعاً من العقوبة التي يوقعها سبحانه وتعالى وهو أحكم الحاكمين بحق كل من يخرج من عباده عن طاعته ويحيد عن جادته المستقيمة ودينه القويم، مستخدماً في ذلك وسائل شتى لهذه العقوبة ومنها الريح العاصف والقاصف، والعاتية والعقيم، وسيل العرم، والطوفان، والغرق، والصيحة والصواعق، والجراد والقمل والضفادع... إلخ. والتي
لا شك أنها وقائع محزنة ومؤلمة تستدعي من كل مسلم ومؤمن التفكر فيها وتدبرها لأجل أخذ العبرة والحذر.
علماً بأن الابتلاء من ناحية أخرى ليس شرطاً أن يكون كله شر أو نقمة تنتهي إلى دمار، وإنما ربما يكون بمثابة استيقاظ للنفس من الغفلة أو منحة تُخلّص صاحبها من هلكة، فلا تغدو أن تكون نعمة عليه فيما بعد لم يكن يتوقعها كما ورد ذلك في كتاب العزيز بقول الله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) البقرة 155-157. أما بخصوص علاج مثل هذه الأمراض أو ما يماثلها وما ينتج عنها من علل وأسقام وانتكاسات صحية أو نفسية أو هلاك، وهو ما يعنينا فإنه يمكن القول ابتداءً وهو ما يجب أن يعرفه الجميع بأن هذه الأمراض لا يشترط أن تكون من ناتج فيروس أو عدوى قد انتقل لإنسان بعينه من مصدر معين، وإنما قد تكون من ناتج نقص في المناعة والتي غالباً ما تتأتى من عدم إعطاء الجسم ما يحتاج إليه من مكونات الغذاء المهمة والأساسية لبنائه وتقويته وتزويد بالطاقة اللازمة له كالبروتينات والنشويات والسكريات.. إلخ أو تحميل هذا الجسم فوق طاقته ودونما راحة كافية مع قصور في التغذية الكافية والمفيدة في ذات الوقت فلا يجد صاحبه بداً من الإصابة بالضعف العام وتوغل بعض الأمراض إليه حينئذ كما أجمع على ذلك كثير من علماء الطب القدامى منهم والحديثين والمطببين من سلف الأمة وغيرهم في هذا المجال بأن أول الطرق لعلاج الأمراض تتمثل في الحمية على اعتبارها رأس الدواء، وتمكين البدن بما اعتاد عليه ومن ثم المعالجة بالغذاء ومن بعد ذلك الاستطباب بالأدوية البسيطة ثم بالأدوية المركبة إلى أن يزول هذا المرض بإذن الله تعالى، مع التوكل على الله والثقة به والانكسار بين يديه والتضرع إليه بالدعاء والتوبة والاستغفار والقيام بأعمال البر والإحسان والصدقة كما يقول ابن القيم، والتي قال عنها المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنها تطفئ غضب الرب وتقي مصارع وميتة السوء، معتبرا هذا المسلك الأخير عليه رحمة الله من أنفع الطرق التي جربتها أمم كثيرة بمختلف دياناتها ومللها والتي ما فتئت أن وجدت فيها من التأثير وتحقيق الشفاء ما
لا يصل إليه علمُ أعلمَ الأطباء. بالإضافة إلى أمور أخرى تستوجب الحرص والاهتمام والأخذ بها وممارستها من أجل سلامة الجسم والمحافظة على الصحة بشكل عام، والاهتمام بالنظافة الجسمية والبدنية والمستخدمات الأخرى بصفة دائمة ومستمرة بالإضافة للبعد عن المحرمات بشتى أنواعها من الممارسات اللاأخلاقية وتعاطي المخدرات، وكذلك الأماكن الموبوءة ومكامن تواجد البكتريا وناقلات الفيروسات كنوع من الوقاية التي نبهنا إليها ديننا الإسلامي الحنيف وحذرنا منها بقول الله تعالى:
(ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وقوله صلى الله عليه وسلم: إذا وقع الطاعون بأرض
فلا تدخلوها وإذا كنتم فيها فلا تخرجوا منها. أو كما قال عليه الصلاة والسلام. بقي أن نؤكد في الختام على ما قاله نبينا الذي لا ينطق عن الهوى صلوات ربي وسلامه عليه حينما سأله أبي خزامة رضي الله عنه: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ فأجابه بقوله: هي من قدر الله، وفي حديث آخر ما أنزل الله داءً إلا وله دواء علمه من علمه وجهله من جهله. رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة. سلّم الله الجميع من هذه الأمراض وحمى الله بلادنا من كل سوء ومكروه.
الأوبئة والأمراض.. تدافع بين القدر والأسباب
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
