خط البلدة ذلك الكائن الأسطوري والذي اعتقدت في لحظة تأمل أنه من بقايا الديناصورات المنقرضة، وأنها قد تركته على سطح الأرض عندما حان انقراضها ليبقى لنا كأثر أبدي يشعرنا بأنها كانت موجودة هنا منذ ملايين السنين، والعجيب أنه لا يزال يقاوم الزمن ويرفض الانقراض من شوارعنا ولا يزال يكسب الجولات تلو الجولات، فلقد كسب الجولة أمام التاكسي الأصفر فانقرض التاكسي وبقي خط البلدة وكسبها أمام حافلات النقل الجماعي بكل جدارة وبدون ركلات ترجيح فانقرضت وبقي هو بألوانه الفاقعة وشنبات سائقه المفتولة والعجرا الموجودة أسفل المرتبة، وها هو الآن ينافس وبكل قوة أفواج الليموزين وتاكسي لندن وفيما يظهر لنا فإن الأمور تسير في صالحه إلى حد الآن، فهو ومن واقع خبرة يرى أن كل هذه الوسائل لم تعد في مستوى المنافسة ولم تعد تشكل عليه أية خطورة، وأن عليه أن ينتقل إلى المنافسة الأقوى ومقارعة الخصم العنيد والذي لم يولد إلى هذه الساعة ولكن وسائل الإعلام
لا تفتأ تبشر به صباحاً ومساءً وقبل الأكل وبعد الأكل، إنه مترو الرياض الموعود، ذلك الحلم الذي لطالما انتظره سكان الرياض على أحر من الجمر قبل أن يفتك بهم الزحام ويحتكرهم خط البلدة.
منذ أن كان الكمساري يجمع الخمسة قروش من الركاب إلى أن وصلت قيمة الأجرة ريالين وخط البلدة يصول ويجول في كل الشوارع بكل حرية لا فرق عنده بين شارع عام وشارع فرعي ولا بين طريق سريع وآخر جانبي، فهو يقف متى شاء وأينما شاء وكيفما شاء يسانده في ذلك تلك العجرا المدهونة بالسمن البلدي وشنبات سائقه المفتولة والتي يكاد أن يقف عليه الصقر، أما عندما تم تحديد مساره واقتصاره على مسارات وطرق محددة وليس له الحق في تجاوزها فلقد كادت الفرحة أن تقضي على خصومه من أصحاب سيارات الأجرة وحتى الكدادة من أصحاب الخصوصي فظنوا أنها النهاية الحتمية لهذا الديناصور، ولكنه أبى إلا أن يقاوم وبكل قوة ذلك الحظر فاحتكر منطقة البلد وسيطر على وسط المدينة واستطاع أن يستعيد شيئاً من أمجاده بعد أن منحته العمالة الوافدة كل اهتمامها وولائها فهو الوسيلة المفضلة بالنسبة لهم، فلا تكاد ترى حافلة من حافلات خط البلدة إلا وهي تغص بهم في الذهاب والإياب.
ولا نريد أن نستبق الأحداث ولكن وجود خط البلدة في خارطة النقل المحلي وبقاءه كل هذه المدة الطويلة من دون أن يتم إيقافه ربما يعطيه الفرصة للبقاء حتى بعد اكتمال مشروعات المترو وداعمه في هذه المنافسة هو عامل الأسعار وعامل البساطة، فأسعار المترو مهما كانت رمزية إلا أنها لن تكون كأسعار خط البلدة والتي لا تتعدى قيمتها الريالين في المشوار الواحد، ولكن وانسجاماً مع روح المرحلة فإني أتوقع اختفاء العجرا من خط البلدة وتقلص حجم الشنب مع ثبات الألوان الجانبية بطبيعة الحال فهي من يمثل هوية هذا الديناصور المعمر ويميزه عن كل وسائل النقل المختلفة.
خط البلدة ومترو الرياض.. وصراع البقاء
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
