«التوافه العظام» مصطلح تراجيدي يطلق على المشاكل الصغيرة التي تترك دون حل حتى تصبح مستعصية على الحل، هذا المصطلح يمكن أن نطلقه على كثير من المشاكل التي نعانيها على المستوى العام والخاص، ولأن التوافه العظام بدأت مشاكل يسيرة أو لنقل «تافهة»، وتركتها اللامبالاة تكبر يوما بعد يوم حتى عظمت، وأصبحت تحتاج إلى حلول جذرية، وعمليات معقدة للتخلص منها أو معالجتها.
ويندرج تحت مصطلح «التوافه العظام» جُل مشاكل التنمية في المملكة التي أهملتها لامبالاة بعض المسؤولين، وغياب الرؤية المستقبلية، والتخطيط والتنسيق بين الجهات المعنية، سواء أكانت خدمية أو غير خدمية، إلى جانب عدم تحديد أولويات الإنفاق، وجدولة تنفيذ المشاريع التنموية على مراحل، حتى تشعبت وكبرت، وأصبحت تحتاج إلى جهود مضاعفة لتجاوزها، وإنفاق مالي كبير مقارنة بحجمها لو تم تداركها في البدايات عندما كانت توافه، لا تقاس بحجمها أو تعقيداتها الآن.
وأبرز مثالٍ على التوافه التي تحولت إلى عظام قضية «البطالة» وأزمة «الإسكان»، وهما لا تزالان من التوافه - حتى وإن كبرتا - في ظل توافر الإرادة لحلهما وتجاوزهما، والدعم المالي اللامحدود لحلهما من قبل الحكومة. فقضيتا البطالة والإسكان بدأتا صغيرتين، وتركتا دون حل حتى تحولتا إلى ظاهرة مزمنة، فارتفاع معدل البطالة بين السعوديين منذ عام 2000م ترك دون معالجة أو حلول عملية حتى بلغ مستويات قياسية بلغت نحو 12.5%، وبقي هذا المعدل قريباً من مستوياته العليا في حدود 10% طوال السنوات الثماني الماضية، على الرغم من ارتفاع تضاعف حجم الاقتصاد السعودي أكثر من مرة خلال تلك الفترة، وزيادة عدد الوظائف التي خلقها خلال السنوات الماضية، ولم نلمس أي أثر للنمو الاقتصادي في تخفيضها.
هذا المعدل المرتفع للبطالة كان بالإمكان إيقافه أو على أقل الأحوال تخفيضه، وإبقاؤه عند مستويات مقبولة إلى حد ما، لو تم تداركها في البدايات من خلال إعادة رسم استراتيجيات التعليم العام، والتعليم المهني بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل آنذاك، والتطبيق الصارم لإجراءات السعودة، لكن ذلك لم يحدث شيء منه، وبقيت المشكلة في «حكم المسكوت عنه»، واستمرت الوزارات المعنية بقضايا التوظيف والسعودة «التعليم العالي»، «الخدمة المدنية» و»العمل»، و»الاقتصاد والتخطيط»، و»مجلس القوى العاملة» طيب الذكر، منفصلة عن الواقع، وتعيش سباتاً عميقاً حتى تعقدت المشكلة، وأصبحت قنبلة موقوتة، استدعت استنفار كل الجهات لمواجهتها، وأنفقت أموال ضخمة من أجل تجاوزها، كان يمكن توفيرها والاستفادة منها في مجالات تنموية أخرى.
وأزمة «الإسكان» التي أصبحت حديث السعوديين وقضيتهم الأولى، مثال آخر على التوافه التي تحولت إلى عظام، فنحو 60 % من السعوديين لا يملكون منازل خاصة. وهذه الأزمة كان يمكن تلافيها قبل أكثر من 20 عاماً، عندما كانت المشكلة في بدايتها، مع بداية ارتفاع أسعار الأراضي، وازدياد ضراوة المضاربات عليها، مع ثبات دخل المواطن، وتناقص القيمة الحقيقية للريال، لكن هذه المشكلة أُغفلت من قبل وزارات الشؤون البلدية والقروية، والمالية بحكم مسؤوليتها عن دعم صندوق التنمية العقاري، والإسكان التي حُلت في مايو 2003، قبل أن تعاد في صورتها الحالية، وتركت دول حلول أو خطط تحاصرها في بدايتها حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن من تعقيدات تطلب حلها مرسوما ملكيا من أعلى سلطة في الدولة لبناء نصف مليون وحدة سكنية بمختلف مناطق المملكة، مع تخصيص 250 مليار ريال، ومع ذلك لا تزال قائمة رغم مضي ثلاثة أعوام على هذا القرار.
وما ينطبق على قضية البطالة وأزمة الإسكان ينطبق على كثير من مشاكل البنية التحتية بمختلف أشكالها.. بدأت تافهة وتحولت مع الإهمال واللامبالاة من قبل الجهات التنفيذية إلى مشاكل كبيرة، على سبيل المثال لا الحصر «أزمة تصريف السيول، التي تحول شوارع كبرى مدن المملكة إلى أنهار وبحيرات، وأزمة الصرف الصحي وغيرهما. وهناك مشاكل أخرى لا تزال تافهة، وفي طور النمو، كانخفاض قيمة الريال، وارتفاع الاستهلاك الداخلي للنفط وغيرها يجب التحرك لتلافيها ومحاصرتها من قبل الجهات المعنية بمواجهتها، قبل أن تتحول إلى عظام يصعب حلها، ويترتب عليها سلسلة من المشاكل التي لا يمكن تجاوزها بسهولة.
مشاكلنا "التوافه العظام"
محمد العوفي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
