صدر للكاتب خالد السيد عن أدبي الطائف عمل سردي يحمل اسم الحارة الطائفية القديمة (بقّيلي)، وهو عبارة عن سرديات متصلة منفصلة، دارت في جزء من الحي، حكايا تستنطق روح المكان الذي تتشكّل صفات قاطنيه من روح خفية، زرعها تلاحم إنساني ووجداني مدهش، تركيبة سكانية فريدة من نوعها جمعت جنسيات مختلفة بثقافاتهم المتعددة لتخلق فسيفساء فريدة.

1 - حدثنا عن ظروف كتابة العمل الزمانية؟

بدأت الكتاب في سرديات بقيلي منذ 2005، وخلال تسع سنوات تأرجحت بين الابتعاد عن أجوائها وبين الغوص في أعطافها، وكم راودني شعور وهاجس بعدم نشرها، فقد كنت أخشى، وما زلت، أن تفسر بأنها كتابة ساذجة، ولكن صديقي الكاتب المسرحي فهد ردة، وصديقي الشاعر أحمد كتوعة لطالما تحمسا لنشرها، وإن كنت فعلت ذلك فهو بإيعاز وإيمان من فهد بأنه عمل جميل.

2 - مم يتكون العمل وعم يتحدث؟

يتكون من تسعة فصول أبطالها صبية (عيال حارة) لا شاغل لهم سوى اللعب، ومن خلال ألعابهم يقف القارئ على تفاصيل غائرة تستنطق المرحلة والحياة وتشابك العلاقات فيما بينهم، ثمة بطل يتكرر في معظم السرديات وكان اسمه عبدالرحمن، غير أنه بسبب لثغة في لسانه وبسبب تهتهة تعتريه أثناء حديثه أطلق عليه عيال الحارة لقب «التشتش»، إذ رأوا أنه «يتشتش»
الكلام مثل شاحنة صهريج نقل الماء (الوايت)، إذ تسمع صوت تششش تششش.

3 - هل تصنفه ضمن الأعمال الروائية الحديثة؟

لا أحبذ تصنيفه بالرواية، فهو كتابة سردية متحررة من الشكل والتقنيات، يسردها صوت خفي عليم، هو بالضرورة صوت أحد صبية الحارة، وكأنه غادر الحارة وعاد إليها بعد سنوات طويلة، ليكتشف خبايا ذاكرته فيتلاشى الزمن الماضي ويسطع الحاضر، كأنما كل شيء بُعث من جديد.

4 - وما حكاية حارة بقيلي؟

في حارة بقيلي، عندما يكون أحد أبنائها في حالة التهام صحن من البليلة، أو عندما يتناول شراب التوت، أو عند قضم حبات «اليغمش» أو «المنتو» أو حتى «الدندورمة»، لا يجرؤ على رفض طلب صبي عابر، قاصيا كان أو دانيا، خصوصا من عيال الحارة إذا ما قال له: (بَقّيلي)، فيترك له على الفور بقية مما كان يأكل أو يشرب، ويقدمه له بنفس راضية، فـ»بقّيلي» كلمة سحرية تتكرر في اليوم الواحد عشرات المرات، حتى أصبحت حارتنا مشهورة منذ زمن بحارة «بقّيلي».

5 - وماذا عن أجواء هذا العمل السردي؟

عبارة عن مجموعة صور من حياة صبية في حارة صغيرة خلال مرحلة ما قبل الطفرة وأثناءها، أي في السبعينات الميلادية، وربما امتدت حتى بدايات الثمانينات، حاولت في هذه الصور أن لا أقول شيئا ذا بال، على الأقل بطريقة مباشرة، وفي الوقت نفسه أردت أن (أصمت) عن خفايا حميمة تنبض في أزقة الحارات وحيوات أناس، ليس لأن الصمت نابع من تابو، ولكن لأن ما كان يكتنف الحياة في ذلك الزمن أبلغ من الكلام الذي يصبح البوح به فجا وشعاراتيا فيفقد عمق دلالاته.

6 - ألا ترى أن عملية الكتابة بصمت، أو العكس، مرهقة خصوصا في مشروع كتابي يتماس مع الشارع وفسيفسائه العفوية؟

نعم كانت عملا مرهقا، وهناك عامل مرهق آخر وهو كيف تتخلص من إرثك اللغوي والمعرفي، لأنك تريد أن تتحدث بلسان أفراد الحارة، الصبية تحديدا، ولأنك تريد أن تلمح ولا تصف، وأن تحفي ولا تَعفي، وأن تنقل ملامح الحياة ووداعتها وبساطتها في تلك الفترة.