ومن نكد الدنيا على المواطن أن يذهب إلى مستشفى ما للاستشفاء من عارض ما؛ فيخرج ناقصا - أو تالفا - عضوا ما.. أو بعاهة ما.. لمن تعس حظه. أو يخرج حاملا معه تقريرا تشخيصيا (مضروبا)؛ لمن كان حظه في مستوى متوسط من السعد.
قصة المواطنة التي تعاني من التهاب اللوزتين، ودخلت (مستشفى محايل عسير) بيدين اثنتين، وخرجت بواحدة، ليست (طرفة)، وليست آخر مشاهد تراجيديا واقع مؤسساتنا الطبية.
مشاهد تجاوزت مبكرا؛ حالة الدهشة منها، إلى حالة الإلف والاعتياد لكثرة تكرارها، وتواليها، حيث تبدأ تداعياتها بخبر صحفي، يُختم بتصريح (مصدر مختص)؛ بإحالة القضية لـ(لجنة مختصة)، حتى ننسى متابعة قرار اللجنة المختصة الموقرة، وإلى ما أفضى التحقيق، لأننا بصدد استقبال فجيعة أخرى، ننثر عليها ملح مواجعنا، ونتداولها ونتبادل إسنادها بأخرى، مما لا يعدمه ذهن أي مواطن، ،لأننا استمرأنا وجع انتظار ما لا ينتظر. وفقدنا حتى الإحساس الطبيعي بالصدمة، تجاه مشاهد وحالات كتلك؛ لأنها أضحت واقعا لا مفر منه، حتى لمن يتهيبون الذهاب إلى المستشفيات الحكومية، وهم مضطرون لها، لأنهم لا يستطيعون تحمُّل رسوم المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة، التي هي كذلك، في فلك آخر، بعيد عن الرقابة والمتابعة والحساب.
ففي خبر طريف نشرته صحيفة الكترونية؛ بلغ عدد المواد الإعلانية لخدمات تلك (الخاصة): (200) إعلان في أسبوع، عبر اللوحات الإعلانية في شوارع وميادين مدينة متوسطة الحجم، من مدن بلادنا، وتضمن التحقيق تفاوت رسوم الكشف والعلاج بين المشافي الخاصة؛ بنسبة تجاوزت 50%، كما أشار التحقيق إلى قيام عيادات الأطفال، في تلك (الخاصة)؛ باستخدام غير مقنن للعقاقير والمضادات الحيوية؛ متجاوزة بذلك كل معايير المهنية الطبية، والسلامة الصحية، وبلا رقيب أو حسيب.
فضلا عن ظاهرة علاجات البشرة والتجميل، التي تستخدم وسائل في غاية الخطورة على صحة الإنسان. وانعدام الوازع الأخلاقي أحيانا في التعامل مع حالات المراجعين، واستغفالهم بحجة الاهتمام بهم؛ أشعة وتحاليل وقائمة علاج باهظة الثمن، لقطاع (التجارة الصحية).
وقد حكى لي أحد فاقدي الضمير من ملاَّك مثل هذه المراكز- في موقف يستعرض لي فيه شطارته وذكاءه المفرط بالبشاعة - توجيهه الصارم لأطباء مركزه الطبي، فقال: وجهتهم إذا جاءكم مريض أسنان يعاني من زوال قشرة سِنَّه، فلا بد من إقناعه – بعد عمل الأشعة طبعا- بتسوس السن، وعطب العصب، وتهتك اللثة، ولا بد من نزع السن والعصب، ولا يخرج حتى يدفع ما لا يقل عن (800) ريال وهو متوسط ما يشبع جشع ذلك ال....، الذي أردف: نشتري الجلوكوز بأقل من ريال، ونحقنه بـ(150)ريالا، إلى آخر مظاهر الانتهازية، والاستغفال، الذي أظن أمثلة عديدة لها مرت بمسامعكم.
وقِسْ على هذا المستوى، طبيعة ما يجري في هذه (الدكاكين الخاصة)، التي باتت تستشري في مدن بلادنا، وتشير بالمقابل إلى ما وصلت إليه الخدمات الطبية الحكومية فيها، والفارق المهول بين عدد (المستشفيات الحكومية)، وتجهيزاتها، وبيئتها، ومستوى أهليتها، وكوادرها، وكفاءتها، وبين الزيادة المهولة والمرعبة في أعداد السكان.
ويسرني كثيرا أن يكون هذا النثار المؤلم، بين يدي وزير الصحة الجديد. وعساه يستطيع إعادة تأهيل هذا الجهاز الحيوي، الذي يتحمل المسؤولية، عن أعز ما بات يملكه الإنسان بعضه: (صحته).
جهاز لم تفلح كل محاولات ترميمه، وجبر كسوره وعثراته المتكررة. وأصبح بحاجة أكثر إلى نظم وسياسات إدارية، ورقابية، وخطط واستراتيجيات علمية، وموضوعية؛ تراعي واقعه، ومستوى مخرجاته، وأداءه المهني والفني والإداري. وتراعي المعنيين بخدماته.
جهاز لم نعد نثق بالوعود المتوالية من المسؤولين عنه؛ بأنه سيصبح.. وسيكون... ولم نشاهد له صبحا ولا كينونة.. غير ما ألفناه من مواجع منجزاته.. وندوب أخطائه وإخفاقاته المتكررة على أجسادنا وأرواحنا..
ولا أظن القيِّم الجديد على أمره وشؤونه؛ بحاجة إلى تذكيره بحجم ما يلقيه عليه المواطنون من آمال.. تنهي غصة مريرة، يتوارثونها جيلا بعد جيل، حتى ملَّهم الانتظار. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
الصحة تاج..
محمد الدبيسي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
