ليس غريبا أن تقرأ خبرا بإحدى صحفنا المحلية عن حصول رجل أعمال، أو موظف بسيط أو غيرهما، على درجة الدكتوراه في الفلسفة أو الأدب الإنجليزي، وهو لا يتقن اللغة الإنجليزية، ولا يعرف مفهوم الدراسة العلمية وطرق البحث، فمثل هذه الشهادات أصبحت معروفة المصدر، وينكشف حاملوها كل يوم، وغدا المجتمع يعرفهم ويشار إليهم دوما بأصحاب الشهادات المزورة.
لكن الغريب ما بتنا نراه ونسمعه عن شخصيات أخذت تنصب نفسها كشخصيات اجتماعية وثقافية، وأخرى إعلامية، فيعرف بنفسه قائلا: «شخصية ثقافية»، وإن سألته ماذا تعني لك الثقافة وما هو آخر كتاب قرأته، جاءت إجابته: المثقف من يقرأ الجرائد والمجلات والكتب، وآخر كتاب كنت أقرأه.... ضاع اسمه عني الآن!
وآخر يأتيك ليعرف بنفسه قائلا: «إعلامي»، وإن سألته لأي وسيلة إعلامية تنتمي؟ رد قائلا: «إعلامي حر»، لا أنتمي لأي وسيلة إعلامية، لكني تلقيت عروضا عدة رفضتها!
وإن سألته عن آخر برنامج تلفزيوني أو إذاعي قدمه أو مقال صحفي كتبه، رد قائلا: لا أذكر اسمه، ولا موعد عرضه فقد نسيته، من كثرة انشغالي!
وبعيدا عن هذا وذاك، فإن ظاهرة الأخبار والتحقيقات المفبركة ما زالت موجودة ببعض صحفنا المحلية بكل أسف، فتقرأ تحقيقا عن أسباب انخفاض أسعار البترول وتأثيراتها على المجتمعات، وتجد من يتحدث لا يعرف مصادر البترول ومشتقاته!
وليس غريبا أن تجده يوما يتحدث عن أسباب ثقب الأوزون، أو حتى أسباب سقوط الطائرة الماليزية في المحيط!.. وقد يصبح بين عشية وضحاها خبيرا في مجال الاتصال الفضائي، فيتحدث عن الأقمار الصناعية ورحلاتها الفضاء! فهل المال يصنع الثقافة؟
يبين ابن منظور في لسان العرب أن معنى ثَقَفَ: جدّد وسوّى، ويربط بين التثقيف والحذق وسرعة التعليم. ويعرف المعجم الوسيط الثقافة بأنها العلوم والمعارف والفنون التي يطلب فيها الحذق.
ويعرف تايلور: «الثقافة هي ذلك المركب الكلي الذي يشتمل على المعرفة والمعتقد والفن والأدب والأخلاق والقانون والعرف والقدرات والعادات الأخرى، التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع».
ويعرف كوينسي رابت الثقافة بأنها «النمو التراكمي للتقنيات والعادات والمعتقدات لشعب من الشعوب، يعيش في حالة الاتصال المستمر بين أفراده، وينتقل هذا النمو التراكمي إلى الجيل الناشئ عن طريق الآباء وعبر العمليات التربوية».
فيما يعرف مالينوفسكي الثقافة بأنها «جهاز فعال ينتقل بالإنسان إلى وضع أفضل، وضع يواكب المشاكل والطروحات الخاصة التي تواجه الإنسان في هذا المجتمع أو ذاك في بيئته وفي سياق تلبيته لحاجاته الأساسية».
وهناك تعريفات أخرى مثل» إن الثقافة هي الجهد المبذول لتقديم مجموعة متماسكة من الإجابات على المآزق المحيرة التي تواجه المجتمعات البشرية في مجرى حياتها، أي هي المواجهة المتكررة مع تلك القضايا الجذرية والأساسية التي تتم الإجابة عنها عبر مجموعة من الرموز، فتشكل بذلك مركباً كلياً متكامل المعنى، متماسك الوجود، قابلاً للحياة».
فإلى متى يستمر مرضى الثقافة والإعلام يتجولون في المجتمع؟ ومتى يدركون بأن أساليبهم كشفت وحقائقهم ظهرت؟ وهل يعتبر مفبركو الأخبار أنهم صنعوا مثقفين؟ أم إن من نراهم «مسقفين» بغطاء يقيهم شر الجهل عبر كلمات لا يفهمون معانيها أو دلالاتها؟