تعاني الأندية الأدبية والمراكز الثقافية من عزوف كثير من المثقفين عن حضور ومتابعة الأنشطة والفعاليات التي تقوم بها، وعزت ذلك لعدة أسباب أولها المثقف نفسه.

المثقف لا يحتاج لدعوة

تقول الدكتورة بقسم اللغات الأوروبية في جامعة الملك عبدالعزيز، الكاتبة فاطمة إلياس إن المثقف الحقيقي لا يحتاج إلى محفزات ودعوات وتبريكات وتبجيلات، لأنه بطبعه مهموم بقضايا مجتمعه، وغارق في المواجهة مع عتاة التخلف وأعداء التطور والتغيير، وهو من يقف على حدود التماس الملامسة لنقاط الشد والجذب مع التيارات المتسلطة التي تكيل له الاتهامات كل يوم، وتشكك في وطنيته وهويته ودينه. وتؤكد إلياس، التي تصر على الحضور رغم مرارة المشهد أملا في التغيير، أن المثقف، هذا الكائن المجبول على القلق المعرفي والنهم القرائي، والمشغوف بحرية التعبير والتواصل مع الآخر، وكره التسلط والوصاية الفكرية، هو بلا شك أول المهتمين بالأنشطة الثقافية والفعاليات التي قد تتيحها الأندية الأدبية والمراكز الثقافية.

العزلة ردة فعل للرفض

وتشير إلياس إلى أن المثقف هو أيضا أول المنصرفين عن تلك الأنشطة الثقافية والفعاليات، وأول المنتقدين لها، وذلك لطبيعتها التي قد تكون روتينية، أو لأنها لا تضيف للمشهد الثقافي شيئا، أو لهويتها وهوية منظميها، لافتة إلى أنه حين يتقلص هامش التعبير وحرية الرأي، يغيب المثقف، فردة الفعل المعبرة عن رفضه واحتجاجه هي العزلة وعدم المشاركة أو حتى الحضور، مضيفة أنه يجب توجيه أصابع الاتهام إلى بعض المؤسسات والمراكز الثقافية لعجزها عن توفير المناخات المشروعة، وعدم احتواء أنشطتها مثل هؤلاء المثقفين.

ظاهرة المثقف الوهمي

إلى ذلك يعرف الكاتب والباحث والأكاديمي، زيد بن علي الفضيل المثقف الحقيقي، بأنه ذلك الذي امتلك الرغبة الجادة لولوج عوالم الثقافة، ولديه الاستعداد لقطع المسافات من أجل الحصول على معلومة مفيدة، ويملك الهمة لفعل كل ما يمكنه من أجل قراءة كتاب، وتدفعه الرغبة الحثيثة للقاء أحد الأدباء أو أحد المثقفين والجلوس بحضرته رغبة في الاستفادة من بعض مكنون معرفته. وعن غياب المثقفين عن الساحة الثقافية يضيف الفضيل «أولئك الذين لا يهتمون بالمظاهر، ولا يلهثون خلف الأضواء، وقد يمضي عمرهم دون أن ينشر أحدهم كتابا لكونه يرى أنه لم يبلغ شأوا عاليا ليقرأ الناس ما يكتب، هذه النوعية من المثقفين هم من يملؤون الساحات الثقافية، وينيرون بأجسادهم أروقة الأندية الأدبية، أما وقد بدأ حالهم في التناقص مع بروز ظاهرة المثقف الوهمي ومن يهتم بالمظاهر ويسعى إليها، فطبيعي أن نشهد هذا العزوف عن الأندية
الأدبية».


«المثقف الحقيقي هو من يبحث عن الثقافة حضورا وتفاعلا وإثراء، لكن المثقف الذي نتحدث عنه ليس لديه الرغبة في حضور الفعاليات لالتزاماته الشخصية والاجتماعية وغيرها، كما أنه يمكن أن يجد عوضا عن مثل هذه النشاطات في وسائل وقنوات أخرى، وهو في منزله دون زحام في موقع الفعالية أو أمام الإشارات المرورية، ثم إن وسائل الاتصال التي تسهم في نقل الفعاليات عززت فكرة أن الحضور تحصيل حاصل، كما أن الجهات المنظمة قد تقدم فعاليات لا تلبي رغبات المثقف، أو ترى أن بعض الفعاليات ما هي إلا هدر للوقت والجهد والمال، فتستبدلها بالنشاطات التفاعلية من دورات وورش عمل ومسابقات وغيرها».

حسن الزهراني


«لا ينبغي أن نلقي باللائمة على الأندية الأدبية لأنها محكومة بهويتها، كما لا يمكن تحميلها عبء تعبئة الفراغ، وإشباع جميع الأذواق، وهو ما يمكن أن تقوم به المراكز الثقافية، فالأدب خانة مضيئة في حقول الثقافة المتشعبة، وليس كل مثقف أديب، وإن كان الأديب مثقف بالضرورة، وهنا يحار المثقف الحقيقي بين وهج الحضور رغم مرارة واقعه، وقسوة الغياب في ظل تأرجح سقف الكلام والتعبير ومستوى الطرح والتفسير».

فاطمة إلياس


«بعض الأندية الأدبية أصبحت خارج إطارها الثقافي، ولم تعد تقدم ما يثري المشهد، وبالتالي بات ما تقدمه للجمهور المثقف لا يعدو كونه من باب ملء الجدول بكم من الفعاليات دون مراعاة للكيف، وهو ما يضفي جوا من الرتابة عليها، في الوقت الذي كان بالإمكان العمل وفق رؤية ثقافية يتبناها النادي، ويسعى إلى حشد جمهرة المثقفين حولها، وإثارة النقاش إزاءها، وبالتالي إعادة الزخم من جديد لأروقة النادي».

زيد الفضيل