لأنّها لا تعرف الحسد.. وليس فيها من يُصاب بعينٍ أو نكد.. فالنّاس فيها أخوةٌ سواسيةٌ كأسنان مشطٍ لم يُستعمل من ذي قبل.. إنْ باعوا فأهل سماحةٍ لا يبغون إلا ربح الآخرةِ ليس غير.. وإن اشتروا لم يبخسوا الناس أشياءهم.. ويحفظون «سورة المطففين» أكثر من حفظهم للفروق بين العملات النقدية الورقية.. ولقد أدركتُ مِن صالحيهم من لم يزل لتوّه وهو يخلط ما بين فئة العشرة وما بين شقيقتها الكبرى فئة المائة ريال.
من بعد صلاة العشاء -كما الدجاج- يخلدون للنوم باكراً لأنّ موعداً لهم مع الأسحار به يستغفرون.. قد ورثوا عن أجدادهم (العدَّ) تفقداً لصلاة الصبح.. ولئن كان للناس -في المدن الأخرى- طابوراً تنتصب فيه أقدامهم لدواماتهم لزاما فإنّ لأهلي هنا مشهداً مهيبا مع قرآن الفجر إنه كان مشهودا!
ليسوا بكبير حاجةٍ لا للأطباء ولا للمراكز الصحية ذلك أنّ القوم ممن يتطبّبون بـ»الرقى» تارةً وبما توارثوه من «طب شعبيّ» تارةً أخرى ولطالما انحازت الأوبئة إلى جيرانهم الجنوبيين آيةً أخرى على حصانةٍ ليست إلا لهم.. واسألوا إن شئتم «كورونا» أوقد مات به أحد من أهل هذه المدينة الفاضلة.. أو حتى ممن مرّ بها؟!
هم المتحابون المتآلفون إذ ليس في «بريدة» من تخاصم ولا شكاةٍ ولا (نقرة) ما يجعلهم -بضرورة السماحة التي هم عليها- ليسوا بكبير حاجة إلى المحاكم والقضاة ذلك أن القضاء صناعةٌ تنشأ في المدن غير الفاضلة ولا الكاملة.
قد فشل فيها «المصلحون» و»المفسدون» على حدٍّ سواء.. فالمصلحون كيف لهم أن يشتغلوا على إصلاح -قومٍ- هم مادة الإصلاح وعنوانه.. بينما يتوكد فشل المفسدين لأنها الأرض الطيبة التي تنفي عنها الخبث فلا موطئ قدمٍ لهم فيه.
هي المدينة التي كلها «حبٌّ « لا كره فيه.. ومودةٌ لا بغض فيها.. ومنذ أن درجتُ في فجاجها صبياً وأنا لم أظفر فيها بـ»أعداء»حتى ظننتُ -الرّبع- ملائكة وليسوا لآدم ينتمون.. ومع أنّ هذا الأخير -عليه السلام- قد غوى فإنّي إلى يومي هذا لا أعرف لأهل مدينتي من غواية.. هل هو الاجتباء الذي قد خُصّوا به في الملأ الأعلى؟ الله أعلم ورد العلم إليه أسلم.
ولئن كان الفقر والمرض والجهل كلها علامات على غياب الاجتماع الفاضل في المدينة الكاملة فإنّنا لم نكن نعرف هذه الأشياء لا في كبير أمرنا ولا في صغيرنا.. ما رشّح مدينتي أن تكون هي الطليعة في المدن.. وهي «المدينة الفاضلة» على أرض الواقع رغم أنف الفلاسفة كلهم.
بريدة المدينة الفاضلة.. رغم أنف الفلاسفة!
خالد السيف2 دقائق للقراءة

حجم الخط
