بالرغم من محاولة الأنساق الأدبية تجاوز محاولات التأطير، فإن هاجس (النظام) يظل (ملاحقا)، للم شتات ذلك السديم الأدبي، ابتداء من الدراسات التاريخية المنهجية، ومرورا بـ(تحديدات) الشكلانيين والبنيويين.. حتى إن جاكبسون نفسه يعرف -منذ البدء- الفعل الشعري بأنه «عنف منظم مقترف بحق الكلام العادي»! وبالتالي، فمهما اشتغل (نص) الأديب الفنان على ممارسة عبث الجمال، فإن الخطاب الذي يجعل من ذلك النص (موضوعا)، يشتغل بدوره على بحث مؤرق عن أرقام أو أنماط، يمكن أن (ترتب) هذا الكون المترامي من الرؤى والأساليب. ولعل زعمي بأن ثمة غايات كبرى محددة للإنتاج الأدبي تتواطأ مع تلك الاهتمامات المنحازة إلى مكونات شمولية، يمكن مقاربة الأعمال الأدبية من خلالها، ويؤكد أن (الجماعة) الأدبية الفنية لا تكتب في النهاية سوى نص واحد (بصياغات متنوعة).
غايات الأدب يمكن اختزالها إلى خمس غايات كبرى، (أولها) التعبير عن الجمال (الرافض للقبح) بلغة ذات شروط جمالية فنية: (قصائد لوركا..درويش)، و(ثانيها) البحث عن الهوية الغائبة أو المغيبة (الهوية لكونديرا.. خاتم لرجاء عالم)، و(ثالثها) التأملات الفلسفية في القضايا الإنسانية الكبرى (الأدب العرفاني العربي.. نيكوس كازانتزاكس)، و(رابعها) التعبير عن الواقع وتجلياته.. إما بشخصيات نمطية يمكن استخدامها شاهدا (فحسب) على تأثيرات الواقع المعيش (صنع الله إبراهيم).. أو من خلال شخصيات ذات قيمة فنية عالية قادرة على صناعة حوارية بينها وبين موجودات وشخصيات ذلك الواقع إياه (دستوفسكي)، و(خامسها) الكشف عن الفضاءات المجهولة والغائبة أوالمغيبة (إمبرتو إيكو.. إيف توريو).
هذه المقاربة للغايات الكبرى تقود إلى متعة النظر لعلاقات إنسانية/ جمالية فاتنة، تنسجها النصوص الأدبية مع بعضها، مما يمنحهما (تذكرة) الولوج إلى الكرنفال (الباختيني) المهيب، الذي نسمع من أصدائه قوله الباذخ بأن: «كل نص يقع عند ملتقى نصوص أخرى، إذ هو يعيد النظر فيها ويكثفها ويراجع صياغتها، لتصبح دالة على أعم مما كانت تدل عليه».
غايات الأدب الكبرى
فيصل الجهني2 دقائق للقراءة

حجم الخط
