إن لم تفرز الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في العراق حكومة جديدة وتغيرت الوجوه السابقة وظل التحالف الوطني الشيعي يجدد لـ»نوري المالكي» لولاية ثالثة وواصل الأخير بدوره انتهاج سياساته الإقصائية بحق القوى السياسية الفاعلة في العراق واستمر في إثارة الأزمات للوصول إلى أهدافه الطائفية، فلا نستبعد أن يدخل البلد في حرب أهلية طائفية وعرقية حقيقية أكثر دموية وشراسة من تلك التي حدثت في عامي 2006 ــ 2007 والتي تركت شرخا نفسيا واجتماعيا كبيرا بين العراقيين، جعلهم ينقسمون إلى مجتمعات متنافرة ومتصارعة داخل مجتمع واحد.
وفي حال حدوث صراعات دموية جديدة مع السنة وقد ظهرت بوادرها الأولية في محافظة الأنبار، ستتوسع رقعة الصراع بسرعة لتشمل معظم المحافظات السنية، وعلى رأسها محافظة الموصل معقل رئيس البرلمان العراقي «أسامة النجيفي» الذي يخوض مع «المالكي» صراعا سياسيا وعقائديا منذ فترة طويلة، وكذلك ستشتعل الحدود الفاصلة بين العراق وإقليم كردستان وتنشب معارك ضارية بين القوات الحكومية التي شكلت أغلبها من المليشيات الشيعية المتطرفة وبين القوات الكردية الـ»بيشمركة»، وقد تمتد المعارك إلى داخل الإقليم، ولدى «المالكي» نية مبيتة قديمة لشن هجوم عسكري كبير على المدن الكردية والاشتباك مع البيشمركة، وما تشكيله لقيادة عمليات «دجلة» برئاسة الجنرال «عبدالأمير الزيدي» أحد القادة الكبار الذي كان له دور أساسي في إبادة الأكراد عام (1988) ضمن عمليات الأنفال السيئة الصيت، وقد حاول عام (2008) الاشتباك مع البيشمركة الكردية عندما حرك قطعانه نحو مدينة «خانقين» الكردية بسبب رفع الأعلام الكردية على مؤسساتها الحكومية، وكادت أن تحدث مواجهة عسكرية لا تحمد عقباها بين الطرفين ولكن القوات الأمريكية المتحكمة في مفاصل الدولة حينذاك منعت من حدوثها في آخر لحظة.
في حال اعتلاء «المالكي» وحزبه الحكم للمرة الثالثة، وإحرازه لثقة التحالف الوطني، فإن حدوث سيناريوهات مثل هذه محتمل جدا وسينهي على البقية الباقية من الوشائج الوطنية والتاريخية التي ما زالت تربط المجتمعات العراقية «غير المتجانسة» بعضها بعضا، ويدفعها إلى أن تأخذ مسارها الطبيعي في الانفصال والتقسيم على أساس طائفي وعرقي، وما مطالبة المحافظات السنية بأقاليم منفصلة إداريا واقتصاديا عن الحكومة المركزية، إلا تمهيد للانفصال السياسي والاجتماعي للمكونين العربيين الرئيسين في البلاد.
بعد أن كانت الأحزاب السنية ترفض مجرد التفكير في إنشاء أقاليم وتعتبره انفصالا عن العراق الواحد الموحد، وخيانة وطنية لا يمكن محوها إلا بالدم، وكثيرا ما كانت تنتقد التجربة الفدرالية الكردية وتطالب حكومة بغداد إلى تعديل الفقرة الخاصة في الدستور التي تدعو إلى إنشاء الأقاليم ، وكذلك انتقدت بشدة دعوات زعيم المجلس الإسلامي الشيعي إلا على الراحل «عبدالعزيز الحكيم» بإقامة إقليم في الوسط والجنوب، باتت اليوم تدعو علانية إلى ذلك وتطالبه بشدة، بعد أن توصلت إلى حقيقة أن الأحزاب الشيعية تسعى إلى بسط سلطتها الطائفية عليهم وإخضاع مدنهم لهيمنتها بالقوة وبعد أن أدركت أن الاتفاقات والمبادرات السياسية لم تجد نفعا معها.. وهذا التغيير في استراتيجية الأحزاب السنية جدير بملاحظة المراقبين والمحللين السياسيين الدوليين، لأن من يدعو إلى الفيدرالية الآن ليس هم الأكراد، بل عرب السنة الذين كان الكلام عن الفيدراليات وإنشاء الأقاليم يعدّ في عرفهم من الهرطقات التي تُخرج صاحبها من «ملة الإسلام والعروبة» وتنفذ مشروع «بايدن» نائب الرئيس الأمريكي الاستعماري الذي دعا عام 2007 إلى تقسيم العراق إلى مكوناته الرئيسة «السنة والشيعة والكرد»، لحل الإشكالات العرقية والطائفية التاريخية بينهم ، ولكن كانت الأحزاب العربية السنية أول من وقفت له بالمرصاد واعتبرته مشروعا استعماريا خبيثا يستهدف المكون السني بصورة مباشرة.
وهذا التغير من عرب السنة لم يأت اعتباطا، بل كان فعلا طبيعياً لما اقدم عليه التحالف الوطني الحاكم من اعتقالات وملاحقات بحق عناصرهم و تهميش دورهم في العملية السياسية.
ثمة حقيقة لابد من معرفتها وهي أن المجتمعات العراقية متنوعة ومتناقضة بشكل صارخ ، لا يمكن لمكوّن واحد أو لأحزاب معينة أن تبسط سلطانها على باقي المكونات الأخرى بحجة الأكثرية العددية والسكانية، كما تسعى إليه بعض أقطاب التحالف الوطني الشيعي وتحاول الوصول إليه بكل الوسائل، كما تفعل الأنظمة الدكتاتورية، فالعراق الجديد يحتاج إلى نظام سياسي ديمقراطي تعددي حقيقي، تشارك في إعداده وصياغته كل الأحزاب والمكونات الإثنية والطائفية الموجودة فيه،
ولا يحتاج إلى شعارات زائفة التي كانت السبب الأساسي في تدمير العراق منذ أن تولى الانقلابيون والشوفينيون حكمه وجثموا على صدور العراقيين.
سياسة الحكومة العراقية القادمة
محمد واني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
