«ألقي السلام على حمص بفتنتها / طوعت عاصيك فاحتار الذي سمّى».. خالد أبوحمدية. منذ ألفين وخمسمئة عام، أسس سلوقس نيكاتور، أحد أحفاد الإسكندر الأكبر ومؤسس الدولة السلوقية ست عشرة مدينة في منطقة الشام، إحدى هذه المدن كانت -إيميسيا- التي احتضنت ضفاف نهرٍ أبى أن يكون كغيره من الأنهار فجرى من الجنوب إلى الشمال، عكس الأنهار الأخرى ليسمى نهر العاصي. وأبت المدينة التي دعاها العرب لاحقاً حمص إلا أن تكون مؤثرةً في تاريخ العالم، حتى إنها أصبحت مملكة حمص القوية عسكرياً والمتقدمة حضارياً و معمارياً لأكثر من مئتين وخمسين عاماً قبل الميلاد.

الأديان لم تمر مرور الكرام على حمص، بل سكنتها كما سكنت قلوب أهلها، فأثناء ظلام الوثنية كانت مركز عبادة قرص الشمس الذي أرسلته لاحقاً إلى روما، ومع بزوغ المسيحية اعتنق الحمصيون الدين الجديد ومارسوا شعائرهم في كنائس تحت الأرض خوفاً من بطش الرومان، إلى أن سطع في جنباتها الإسلام بدخول خالد بن الوليد سلماً بعد معركة اليرموك.

بعد أن عزل سيدنا عمر بن الخطاب خالداً، اختار سيف الله المسلول أن يغمد سيفه ويستقر في حمص، ليموت على فراشه وتحتضن رفاته تربة هذه المدينة، كما احتضنت رفات خمسمئة آخرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عشق أهل هذه المدينة مدينتهم فأطلقوا عليها حمص العدية، كما عشقها من ساقته قدماه إليها، فتغزل بها الرحالة، كابن بطوطة «مدينة مليحة، أرجاؤها مونقة، وأشجارها مورقة، وأنهارها متدفقة، وأسواقها فسيحة الشوارع»، ورسم قلعتها الرحالة الفرنسي كاساس عندما زارها عام 1780.

للشعر في أجواء حمص نصيب قديماً وحديثاً، فهي بلد الشاعر العباسي المشهور ديك الجن الحمصي القائل»جس الطبيب يدي جهلاً فقلت له / إن المحبة في قلبي فخل يدي»، كما أنها بلد شاعر المهجر، نسيب عريضة، الذي توسل صاحبه في شوارع نيويورك «يا دهر قد طال البعاد عن الوطن / هل عودة ترجى وقد فات الظعن / عد بي إلى حمص ولو حشو الكفن».

على باب عمرو الآن أم ثكلى بلل دمعها صورة ابنتها الشهيدة، ويتيم حدقت عيناه للبعيد يبحث عن أمل ضائع، ومئذنة اشتاقت لأذانها ترقب من خلال هلالها الذهبي خطوات سيف الله المسلول..وعندما يأتي الليل تحضن حمص نهر العاصي ويلتحفان ليقيا بعضهما من البرد.  

aalmansari@