هل تذكرون التحالف الأمريكي - التركي؟ منذ فترة ليست بعيدة، كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما يعلن أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان هو رجل الدولة المفضل لديه في منطقة الشرق الأوسط، وأحد القادة الأجانب القليلين الذين أقام معهم «رباط ثقة». ومع ذلك فإن العلاقات التي تربط واشنطن وأنقرة اليوم تشهد انحدارا واضحا. سبب تدهور العلاقات بين البلدين يعود إلى عدة أسباب اشتركت جميعها لتجعل العلاقات تأخذ منحى سيئا بين واشنطن وأنقرة ويبدو أن هذه الأسباب ستستمر في جعل العلاقات في مستوى منخفض، على الأقل على المدى المنظور.
السبب الأول، انحسار البصمة الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط مؤخرا. في الخريف الماضي، في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، وضعت مستشارة الأمن القومي في البيت البيض سوزان رايس رؤيا أكثر تواضعا للسياسة الأمريكية في هذه المنطقة، وهي تتضمن ثلاث أولويات استراتيجية فقط: رعاية جهود السلام بين إسرائيل والفلسطينيين؛ تفكيك ترسانة الأسلحة الكيماوية السورية؛ والتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة القديمة حول طموحات إيران النووية. القضايا الإقليمية الأخرى - من استمرار الاضطرابات بسبب «الربيع العربي» إلى المشاكل الأمنية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط - لم تعد تمثل أولويات بالنسبة لأمريكا، بحسب ما أوضحت رايس.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا التوجه مفيدا لتركيا. فالحكومة التركية أعلنت عن رؤية طموحة لسياستها الخارجية في السنوات الأخيرة، وحاولت أن تقدم نفسها على أنها نموذج يحتذى لدول «الربيع العربي». وفي نفس الوقت، أوضحت الولايات المتحدة أنها بحاجة لوكلاء موثوقين لرعاية مصالحها في المنطقة وهو دور كانت تركيا منذ فترة ليست بعيدة تعتبر المرشح الطبيعي لتملأه.
لم يعد الأمر كذلك. توجه حكومة إردوغان المتزايد نحو الاستبداد جعل صانعي السياسة الأمريكية - الذين كانوا متحمسين حول آفاق الشراكة الاستراتيجية مع حزب العدالة والتنمية- يتوقفون بشكل جدي. وكذلك بالنسبة لما يشبه «الحرب الأهلية» الدائرة بين حزب العدالة والتنمية بقيادة إردوغان والجماعة التي يترأسها رجل الدين الإسلامي المثير للجدل فتح الله غولن، والذي يتمتع بنفوذ كبير في تركيا. ذلك الصراع يغلي منذ فترة لا بأس بها، تخلله إغلاق مواقع التواصل الاجتماعي، والقيام بحملة تطهير في الخدمة المدنية، ومضايقة الصحفيين، ومؤشرات أخرى تدل على وجود حرب في المضمار السياسي.
أمريكا حاولت بجدية البقاء خارج ذلك الصراع، ووصفته بأنه شأن داخلي. لكن إصرار إردوغان مؤخرا على أنه سيسعى إلى تقديم طلب ترحيل للسيد فتح الله غولن - الذي يعيش في بنسلفانيا، الولايات المتحدة- وضع واشنطن الرسمية في موقف لا تحسد عليه. الإذعان لمطالب إردوغان أمر لا يمكن حتى التفكير فيه، من الناحيتين القانونية والسياسية. لكن الرفض سيضمن أن العلاقات الثنائية ستتلقى ضربة أخرى، حيث إن حزب العدالة والتنمية سيعد واشنطن اختارت الوقوف إلى جانب جماعة فتح الله غولن ضده. وهناك بالفعل في تركيا من يعتقد أن إردوغان يعتمد على مثل هذه النتيجة، والتي سوف يستخدمها ليلمع مصداقيته القومية المعادية لأمريكا.
كما أن واشنطن وأنقرة ما تزالان مختلفتين بشكل أساسي في موقفيهما حول سوريا. تركيا تحث الولايات المتحدة منذ زمن لتقوم بدور أكثر فعالية في دعم المعارضة السورية. وهي تفعل ذلك لسبب وجيه؛ مع اقتراب عدد اللاجئين السوريين في تركيا الآن إلى نحو مليون لاجئ، فإن الصراع الذي يدور في الدولة الجارة تحول إلى قضية استراتيجية بالنسبة لتركيا. لكن صانعي السياسة في واشنطن، القلقين من تزايد التوجه الإسلامي في قوى المعارضة المفككة في سوريا، تراجعوا عن القيام بذلك الأمر الذي أدى إلى غضب دائم في الأوساط التركية.
أخيرا، هناك دور تركيا غير الواضح في حلف الناتو. الدول الغربية كانت لديها آمال منذ زمن بأن تركيا يمكن أن تشكل مبعوث الناتو في الشرق الأوسط المعاصر، لكن انهيار الشراكة الاستراتيجية بين إسرائيل وتركيا، ودعمها لقوى المعارضة السورية، بما في ذلك الجهاديين، جعلت أنقرة رابطا ضعيفا في الناتو. مؤخرا، تفكير تركيا بشراء دفاع صاروخي صيني زاد من دواعي القلق في الغرب بأن الأمر قد يهدد أمن الاتصالات ضمن حلف الناتو.
بعبارة أخرى، وضع العلاقات بين تركيا وأمريكا مثير للقلق. الاختلاف الحالي بين واشنطن وأنقرة لا يمكن تجاوزه بتغييرات تجميلية. بدلا من ذلك، يجب التخلي عن طرق التعامل الحالية بين البلدين. تركيا وأمريكا، البلدان اللذان كانا رفيقي سلاح قويين في يوم ما، بالكاد يعرفان بعضهما الآن. في المستقبل، إذا استمر التوجه الحالي، قد يصبحان أقل من ذلك.