اجتاحت عواصف من النقد اتجاه الجائزة العربية للرواية (البوكر) إلى العراق، لتعانق العمل الروائيّ «فرانكشتاين في بغداد» للشاعر والروائيّ أحمد سعداوي، وعدّت هذا العناق فعلًا مشينًا خالف الأعراف الأدبيّة، والنواميس الإبداعيّة، فمن تلك الرؤى ما ينتقد ورود الاسم (فرانكشتاين)، والصحيح أن يكتب الاسم (فرنكنشتاين)، ومن ذلك ما رآه بعضهم إجحافًا في حق الأعمال الروائيّة الأخرى المشاركة، وأحقيتها في الفوز.
ومن الجدير القول إن رواية سعداوي تستحق الفوز بجائزة (البوكر)، ولا يمنع هذا الفوز تفوق الأعمال الأخرى ونجاحها، لكن الجائزة لا تتسع إلا لعمل واحد. ومن المنصف الإشارة إلى ما يمكن عدّه من حسنات اللجنة المحكمة هذا العام، وهو النجاة بها من مبدأ المناصفة والاقتسام، فلم يشركوا معها رواية أخرى، إلى جانب ذلك فلا مبرر إبداعيّ يستدعي الهجوم على عمل سعداوي الذي كان فوزه بالجائزة مستحقًا، كونه نجح في إطار تخييليّ مختلف في تصوير ملامح الأزمة التي يعيشها الإنسان في بغداد نتيجة حوادث الإرهاب خلال فترة محددة، وقد قدم ذلك في وصف دقيق ورمزيّة مبتكرة. كان الفصل العاشر في الرواية أنموذجًا واضحًا لفلسفة ذلك الكائن الروائي الذي تعددت أسماؤه مثل الشسمه وإكس، واختلفت وضعيات حضوره وغيابه بين فئات المجتمع العراقيّ، فهو كائن حقيقيّ لدى بعض الشرائح، وهميّ خرافيّ لدى شرائح أخر.
إن مشكلة الجوائز العربية، ومنها (البوكر)، لا تتمثل في نقص الأعمال المستحقة المرشحة لها، ولا تأتي في الدعم المخصص لها، ولا تنتج عن عدم توفر أعضاء لجان التحكيم، ولا في نجاح وسائل الإعلام المروجة لها، لكنها تبرز بحق في وجود كائن خرافيّ حاضر غائب في الثقافة العربيّة، إنه كائن يشبه كائن «فرانكشتاين في بغداد»، فهو كائن تغيّبه الثقافة، وتستحضره الإقليميّة، ويتمثل بضراوة في استحضار البعد الوطنيّ غير المنصف، حيث السؤال الأهم: إلى أين تتجه الجائزة؟ إلى أي بلد عربيّ؟ فيبدو ذلك السؤال نفسه وقد تمثل في ملمح عنصر تحكيميّ قوي التأثير، إنه عنصر أشبه بغول غائب حاضر، يتوارى عن الأنظار، فنعتقد بغيابه، بينما يحضر في داخل كل فرد وقت الحاجة، ليلتهم كل الأبعاد الأخرى التي يمكن أن تستند إليها الأعمال الفائزة، يبدأ ذلك انطلاقًا من المرشِّحين والمحكّمين والمتلقين، يستحضره الجميع بوعي أو بلا وعي، فالمرشِّح يستحضر هذا الكائن الوهميّ عند بدء عملية الترشيح للعمل، إذ يميل إلى اختيار الأعمال الوطنيّة، أو الإقليميّة، ولا تخلو من حضوره عملية اختيار لجنة المحكّمين، فاختيار المحكّم جزء من التحكيم، ويبادر المتلقي، ومنهم الناقد، إلى قراءة الأعمال وفقًا لهويته الوطنيّة. ليبرز السؤال الأهم: هل وحّدت الجوائز أم فرّقت؟ إن البلدان العربية التي كان من المفترض أن توحّدها الجوائز، نجدها تبرز ردود فعل إقليميّة ضيقة، وهو الأمر الذي يتجلى في ردود أوليّة لكل ما يصدر عن أمانات الجوائز ولجانها التحكيميّة.
جائزة الرواية بين يدي (فرانكشتاين)
معجب العدواني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
