قد تكون جدة مدينة بعيدة كل البعد عن إنتاج النفط ولا تحتوي أي مصدر لإنتاج الطاقة، لكنها تظل راسخة في أذهان كل وزراء الطاقة والإعلام البترولي والمهتمين بشأنه بفضل ذلك الاجتماع التاريخي الذي استضافته في 22 يونيو 2008 لتقريب وجهات النظر بين الدول المنتجة والمستهلكة، عندما بلغت أسعار النفط مستويات تفوق المستويات الحالية بكثير.
وستنطلق اليوم في العاصمة الروسية موسكو أعمال الدورة الرابعة عشرة للحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة بمشاركة وزراء الطاقة من قرابة 70 دولة بين الدول الأعضاء في منتدى الطاقة العالمي.
وتجتمع الدول المنتجة والمستهلكة اليوم في أفضل الظروف التي يمكن تخيلها للأسواق، فالسوق متوازنة بفضل تراجع الإمدادات من بعض دول أوبك لتتماشى مع حجم الطلب.
والسعر مستقر بدون تقلبات كبيرة عند مستوى 100 دولار، والذي أجمع الكل على أنه السعر المناسب والعادل حالياً للجميع، فهو يشجع الاستثمار في إنتاج النفط، ويحقق عوائد معقولة للشركات العالمية، ويغطي التكاليف العالية لإنتاج النفط الصخري من الولايات المتحدة.
وإضافة إلى ذلك لا توجد خلافات بين المنتجين والمستهلكين حول الإمدادات أو الكميات، عكس ما كان عليه الوضع في السابق عندما كانت الولايات المتحدة وكندا وبعض الدول الأخرى لا تستطيع زيادة إنتاجها الداخلي.
ورغم مرور الحوار بعدد من المحطات العالمية، إلا أن الاجتماع الذي شهدته عروس البحر الأحمر كان "غير" عن كل الاجتماعات التي عقدت، ليثبت مقولة أهلها الشعبية "جدة غير".
وفي يونيو 2008 دعت المملكة إلى اجتماع طارئ وضخم احتضنته أروقة وقاعات فندق الهيلتون على كورنيش جدة، بعد أن وصلت أسعار النفط في البورصة الأمريكية إلى مستوى جنوني بلغ 139.9 دولاراً في يوم 16 من نفس الشهر.
لقد كانت الأسواق المالية في تلك السنة تعاني بسبب الأزمة المالية العالمية التي بدأت في أواخر عام 2007 نتيجة للرهن العقاري الأمريكي.
وبعد انهيار المصارف وأسواق الأسهم تحول جزء كبير من أموال المضاربين إلى السلع مثل الذهب والنفط أو حتى الحبوب، مما أدى إلى ارتفاع جنوني لها.
وبسرعة تحركت المملكة للبحث عن حل، وبدأت وزارة البترول بقيادة مساعد الوزير الأمير عبدالعزيز بن سلمان في بعث الدعوات والتنسيق للاجتماع، إذ إن الوقت كان قصيراً والأسعار لا تتوقف عن الارتفاع.
ووصلت الوفود من 35 دولة وسبع منظمات دولية و25 شركة نفط عالمية للمشاركة في القمة.
لكن اختلافات الرأي تظل موجودة بين المستهلكين والمنتجين حتى عندما يمر السوق بأزمة مثل التي مر بها في ذلك الحين، وهذا ما أثبته اجتماع جدة.
ففي الوقت الذي كانت فيه الدول المنتجة، وعلى رأسها أوبك، تقول إن سبب ارتفاع أسعار النفط هو المضاربات في الأسواق، كانت الولايات المتحدة وبعض الدول التي لديها أسواق نشطة تقول إن السبب الحقيقي هو أن قدرة أوبك على الإنتاج ضعيفة ومحدودة لمواجهة الطلب الذي يتزايد بفضل الأسواق الناشئة، وهذا ما أدى إلى ارتفاع السعر.
وفي تلك الظروف ووسط تلك المشادات ألقى خادم الحرمين الشريفين كلمته الافتتاحية لاجتماع جدة للطاقة، داعياً فيها المنتجين والمستهلكين للبحث عن الحقيقة وراء ارتفاع الأسعار، وأن يكونوا شفافين، وأن تظهر النتائج أمام شعوب العالم كلها حتى لا يتم إلقاء اللوم على أحد بدون أدلة.
ومرت السنوات ولم يعترف أحد ولم تقدم الدول المستهلكة أدلتها على أن السبب في ارتفاع الأسعار هو عدم قدرة الأوبك على زيادة إنتاجها.
وأثبتت الأوضاع فيما بعد أن المنتجين كانوا على حق، إذ تهاوت الأسعار بعد زيادة الأوبك لإنتاجها في الأشهر التي تلت اجتماع جدة وهبطت من مستويات قريبة من 150 دولارا إلى مستويات حول 30 دولارا في نفس السنة، ولم ينقذ الأسعار سوى قرار أوبك بسحب 4 ملايين برميل من إنتاجها اليومي من الأسواق.
منتجو النفط والمستهلكون سعداء بالمئة دولار
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
