"وليد" أمريكا
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
لم يتمكن من إكمال دراسته الثانوية، أحاط به الإحباط من كل جانب. ذهب إلى صديقه الذي يشاطره نفس الإحساس والإحباطات وقال له «أنا خلاص طفشت من حياتي هنا، أهلي وضعهم المادي سيئ، وماني حق دراسة، ولا أبي أشتغل حلاق أو بنشري» في تلك اللحظة قرر الصديقان الرحيل بعيدا.
في منتصف التسعينات وصل وليد وصديقه إلى مدينة ريتشموند في ولاية فرجينيا، تلك الفترة التي كان السعوديون يستقبلون فيها بالأحضان والقبلات. بدأ الصديقان يعملان في مجالات عديدة لكن لم يكتب لتجاربهم النجاح في البداية. أحدهما لم يصمد كثيرا، وعاد إلى موطنه في مكة، وبقي وليد بعد أن تزوج أمريكية مسلمة ضمنت له البقاء هناك.
«في عام 2007 وصَلتُ إلى مدينة ريتشموند لإكمال دراستي، وكأي مبتعث بدأت أسأل من سبقني للعيش هناك عن أفضل الأماكن للسكن، فقالوا «اسأل وليد لأنه يشتغل في العقارات». قلت «طيب أبي أشتري سيارة» فردوا علي «وليد يشتغل في حراج السيارات وهو أفضل واحد يصيد لك سيارة زينة»، قلت: «وكيف أطلع رخصة قيادة؟»، قالوا: «وليد يطلعها لك بطريقته الخاصة». «الله كل شيء يشتغل فيه وليد»!
في اليوم التالي ذهبت في الصباح الباكر إلى الجامعة ورأيت عربة صغيرة أمام المبنى الذي أدرس فيه مكتوب عليها باللغة العربية «كبدة بلدي» وأمامها طابور طويل من الطلاب. اتجهت إلى العربة وأنا أقول في نفسي «بداية موفقة يا إبراهيم اليوم راح تأكل كبدة بلدي». من كثرة الزحام أخذت ساندويتش الكبدة سريعا ولم أستطع التحدث إلى بائع العربة. عندما عدت في المساء سألت مجموعة من الزملاء: «يا شباب اليوم حصّلت عربة شاب عند الجامعة يبيع كبدة لذيذة جدا» ردوا علي مبتسمين: «هذا وليد اللي كلمناك عنه البارح، يبيع كبدة في الصباح وبعدها ينطلق إلى أعماله الأخرى» قلت: «لا...، كذا كثير»!
هيا نقف على عتبة قصة وليد ونتساءل: كيف استطاع وليد كسر معنويات الإحباط وتحويلها إلى طاقة إيجابية؟ ولماذا كان محبطا في السعودية ونجح هناك؟ وكيف تغلب على ثقافة عيب المهن التي تربى عليها في مجتمعه؟
إن التقاليد الاجتماعية وغياب الإيمان الحقيقي بقيمة العمل أيا كان تعتبر من الأسباب الرئيسة لتفشي ثقافة «العيب» داخل مجتمعاتنا المليئة بالتقاليد الباهتة أكثر من امتلائها بقيم الحياة الإنسانية التي تعتبر الإنسان محور كل الأشياء وليست الوظائف أو المال أو السلطة أو الوجاهة والسمعة، ليتأكد بذلك أن مجتمعاتنا تعانى كثيرا من الأمراض التي تؤخرها ليس فقط على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي ولكن على صعيد العمل الإنساني.
وحتى لا أكون متشائما، يوجد بوادر أرقام للقوى العاملة ونوعيتها توحي بإمكانية عودة ثقافة العمل في المشهد السعودي إلى ما قبل عقود حينما كان أفراد المجتمع قادرين على استيعاب متطلباتهم بنفسهم بتوليفة منسجمة ما بين البوادي والحواضر، حينما كان الفلاح يكرس جهده لإنتاج ما يحتاج إليه الإنسان من غذائه النباتي والتمور والحبوب، بينما ترك للبدو مهمة الإنتاج الحيواني من أغنام وإبل وخيول، فلم يكن المجتمع حينها يسمح بفكرة البطالة حتى لذوي الدخل الأعلى.
أمامنا الآن فرصة حقيقية بعد خروج مئات الآلاف من العمالة الوافدة التي سيطرت على كثير من المهن للبحث جديا في تفعيل فرص تسليم بعض تلك المهن تدريجيا لشبابنا، لكنها بالتأكيد تحتاج إلى وضع خطط حكومية جادة للسعودة، مصحوبة بتوعية شاملة تكسر ثقافة ما يسمى بـ»المهن المعيبة».
فلا عيب من عمل يؤدي إلى رزق حلال يعود بالخير والنفع على شبابنا ومجتمعنا.
في منتصف التسعينات وصل وليد وصديقه إلى مدينة ريتشموند في ولاية فرجينيا، تلك الفترة التي كان السعوديون يستقبلون فيها بالأحضان والقبلات. بدأ الصديقان يعملان في مجالات عديدة لكن لم يكتب لتجاربهم النجاح في البداية. أحدهما لم يصمد كثيرا، وعاد إلى موطنه في مكة، وبقي وليد بعد أن تزوج أمريكية مسلمة ضمنت له البقاء هناك.
«في عام 2007 وصَلتُ إلى مدينة ريتشموند لإكمال دراستي، وكأي مبتعث بدأت أسأل من سبقني للعيش هناك عن أفضل الأماكن للسكن، فقالوا «اسأل وليد لأنه يشتغل في العقارات». قلت «طيب أبي أشتري سيارة» فردوا علي «وليد يشتغل في حراج السيارات وهو أفضل واحد يصيد لك سيارة زينة»، قلت: «وكيف أطلع رخصة قيادة؟»، قالوا: «وليد يطلعها لك بطريقته الخاصة». «الله كل شيء يشتغل فيه وليد»!
في اليوم التالي ذهبت في الصباح الباكر إلى الجامعة ورأيت عربة صغيرة أمام المبنى الذي أدرس فيه مكتوب عليها باللغة العربية «كبدة بلدي» وأمامها طابور طويل من الطلاب. اتجهت إلى العربة وأنا أقول في نفسي «بداية موفقة يا إبراهيم اليوم راح تأكل كبدة بلدي». من كثرة الزحام أخذت ساندويتش الكبدة سريعا ولم أستطع التحدث إلى بائع العربة. عندما عدت في المساء سألت مجموعة من الزملاء: «يا شباب اليوم حصّلت عربة شاب عند الجامعة يبيع كبدة لذيذة جدا» ردوا علي مبتسمين: «هذا وليد اللي كلمناك عنه البارح، يبيع كبدة في الصباح وبعدها ينطلق إلى أعماله الأخرى» قلت: «لا...، كذا كثير»!
هيا نقف على عتبة قصة وليد ونتساءل: كيف استطاع وليد كسر معنويات الإحباط وتحويلها إلى طاقة إيجابية؟ ولماذا كان محبطا في السعودية ونجح هناك؟ وكيف تغلب على ثقافة عيب المهن التي تربى عليها في مجتمعه؟
إن التقاليد الاجتماعية وغياب الإيمان الحقيقي بقيمة العمل أيا كان تعتبر من الأسباب الرئيسة لتفشي ثقافة «العيب» داخل مجتمعاتنا المليئة بالتقاليد الباهتة أكثر من امتلائها بقيم الحياة الإنسانية التي تعتبر الإنسان محور كل الأشياء وليست الوظائف أو المال أو السلطة أو الوجاهة والسمعة، ليتأكد بذلك أن مجتمعاتنا تعانى كثيرا من الأمراض التي تؤخرها ليس فقط على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي ولكن على صعيد العمل الإنساني.
وحتى لا أكون متشائما، يوجد بوادر أرقام للقوى العاملة ونوعيتها توحي بإمكانية عودة ثقافة العمل في المشهد السعودي إلى ما قبل عقود حينما كان أفراد المجتمع قادرين على استيعاب متطلباتهم بنفسهم بتوليفة منسجمة ما بين البوادي والحواضر، حينما كان الفلاح يكرس جهده لإنتاج ما يحتاج إليه الإنسان من غذائه النباتي والتمور والحبوب، بينما ترك للبدو مهمة الإنتاج الحيواني من أغنام وإبل وخيول، فلم يكن المجتمع حينها يسمح بفكرة البطالة حتى لذوي الدخل الأعلى.
أمامنا الآن فرصة حقيقية بعد خروج مئات الآلاف من العمالة الوافدة التي سيطرت على كثير من المهن للبحث جديا في تفعيل فرص تسليم بعض تلك المهن تدريجيا لشبابنا، لكنها بالتأكيد تحتاج إلى وضع خطط حكومية جادة للسعودة، مصحوبة بتوعية شاملة تكسر ثقافة ما يسمى بـ»المهن المعيبة».
فلا عيب من عمل يؤدي إلى رزق حلال يعود بالخير والنفع على شبابنا ومجتمعنا.
