كرّم الله أم القرى بأن جعلها قبلة المسلمين وشرفها ببيته الحرام، وجعل ركنين من أركان الإسلام مرتبطين بها برابطة وثيقة ومباشرة، فالصلاة -الركن الثاني من أركان الإسلام- يتوجه المسلمين إليها بأفئدتهم ووجوههم خمس مرات في اليوم، وأما الركن الآخر فهو الحج إلى بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، وعلى مر العصور كانت قريش تولي اهتمامها بضيوف بيت الله وتتقاسم الأدوار من أجل خدمتهم وحينما جاء الإسلام أقر هذه العادات ولم يمحها، وبقيت هذه العادات متداولة حتى عهد قريب، وبقي أهل مكة يتناوبون على أدوار السقاية والطوافة وإرشاد الحاج وخدمته، فنشأت ظواهر وعادات حجازية لها علاقة بهذه الشعيرة مثل الخليف والقيس، حين كان رجال مكة يغادرونها ويذهبون لخدمة ضيوف بيت الله الحرام، وتعاير النساء من يبقى من الرجال متخلفا عن هذا الشرف.
أما اليوم، فبعد أن تغيرت معطيات الزمن والظروف، لم يعد أهل مكة يشاركون في خدمة ضيوف بيت الله الحرام إلا بنسب وأعداد قليلة، مقارنة بغيرهم من المنتسبين للقطاعات العسكرية وعشائر الكشافة والجوالة الذين معظمهم قد أتى من خارج مكة لخدمة حجاج بيت الله وقد يكون معظمهم بحاجة للإرشاد والخدمة نظرا لأنهم غرباء عن هذه المدينة والمنطقة، وهذه القوى التي تم إحضارها من خارج مكة تعمل في مجالات يستطيع أهل مكة القيام بها وتأديتها على أكفأ وجه إن تلقوا التدريب والعناية والتوجيه المثاليين. ومن الغرائب في هذا المجال أيضا أنه يتم استدعاء سائقي حافلات من خارج مكة وبعضهم من دول أخرى ليقودوا هذه الحافلات وهم لا يعرفون جغرافية مكة وطبيعتها وجهلهم بطبيعة مكة تم حله بإضافة وظيفة جديدة لإرشاد الحافلات والتي لم تنهي المشكلة بطريقة جذرية. ولو أردنا الخوض في هذه التفاصيل لوجدنا تناقضات كبيرة وفرص ومجالات عديدة لتطوير إدارة الحج وتقديم خدمات أفضل وأرقى لحجاج بيت الله وضيوفه.
تحتشد أجهزة التصوير في موسم الحج لتغطي ما يحدث في مشاعر مكة المقدسة خلال أيام الحج، ولا تلتفت للخلف قليلا لترى ما يحدث لأهل مكة الذين لم يعد باستطاعتهم تقديم خدماتهم لضيوف بيت الله الحرام، ولا تلاحظ مشاكلهم التي يعانون منها، فعلى سبيل المثال، يقوم أصحاب بعض المساكن بإخراج السكان خلال فترة الحج لتسكين الحجاج، ويبقى الذين خرجوا دون مأوى وليس أمامهم إلا أن يلوذوا لأحد ما، أو أن يسكنوا في مساكن بأسعار مرتفعة جدا، كأن تقدم سريرا في غرفة مكتظة بمبلغ ألفين ريال خلال عشرة أيام فقط. وهذا الخروج يتضرر منه في الغالب طلبة جامعة أم القرى، حيث أنهم يتركون الجامعة ويتغيبون عن محاضراتهم، وقد يسقط التدريس في الأسابيع الأخيرة في الجامعة والمدارس، لاكتظاظ الطرق وخروج بعض الطلاب من المساكن، وانشغال البعض الآخر بوظائف الحج الموسمية وغيرها من الأسباب.
ولا يقتصر هذا الضرر على طلاب الجامعة حيث إنه يشمل عددا من الأجانب الذين يعملون في المحلات التجارية أو في شركات لا توفر لموظفيها مساكن.
هذا الإخراج يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية في مكة خلال فترة المواسم وقد يؤدي إلى انقطاع بعض المواد الغذائية من مراكز التسوق الصغيرة في الأحياء، وتباع سلع بالية من خضروات وفواكه، أو منتجات منتهية الصلاحية لأن معظم الموردين وخصوصا موردي الألبان ينقلون دعمهم إلى المشاعر، ويستثنى من مشاكل التوريد مراكز التسوق الكبيرة حيث أن العقود مع الموردين تلزمهم باستمرارية العمل. وبعد نزول الحجاج من المشاعر إلى مكة المكرمة يشاركون أهل مكة هذا العناء في شح السلع الغذائية، وقد يؤثر هذا على صحتهم لا قدر الله.
وأما مكة من الناحية الصحية فهي تسير ببركة الله وحفظه، فاللقاحات والتطعيمات ضد الأمراض لا يأخذها جميع الحجاج ولا جميع من يخالطوهم، وتنتشر نوبة من الأمراض خلال عدد من الأشهر بعد انتهاء الموسم تكاد تصيب الجميع، وهذا الأمر المقلق تزداد مخاوفه في هذا الموسم مع انتشار فيروس كورونا وبداية ظهور إصابات لدى المعتمرين المغادرين لمكة.
ولا يتوقف الموضوع فقط على ارتفاع في أسعار السلع وإخراج من السكن وانتشار الأمراض، بل ويشمل ذلك الشلل المتكرر للطرق الرئيسية في مكة والازدحام الذي قد يجعل الطريق الذي يستغرق ربع ساعة في الأيام العادية يستغرق عبوره ساعتين خلال شهري ذو القعدة وذو الحجة، وفي أوقات تفويج الحجاج ونزولهم قد يستغرق حتى ستة ساعات أو أكثر، وهؤلاء الذين يسكنون في أحياء لا تقدم لهم كل الخدمات كان الله في عونهم على ما سيلاقون من مصاعب الطريق، حيث أن العلاقة بين حوادث السير والازدحام المروري هي علاقة طردية، فكلما ازدادت أعداد السيارات ومدة مكوثها على الطريق ازدادت نسبة حوادث السيارات، والانتظار الطويل والازدحام يؤثر أيضا على حافلات نقل الحجاج ويزيد من احتمالية تعطلها، وأذكر في أحدى السنين تعطلت حافلة حجاج ولم تصلها أي مساندة إلا بعد 18 ساعة وكان على متنها امرأة حامل!
في نهاية كل مقال نكتب مناشداتنا للمسؤولين أن يحنوا على مكة وأن لا يفرطوا في حجم هذه الأمانة التي وضعها الله سبحانه وتعالى على عاتقهم، ونحن أهل مكة وعلى حجم الضرر الذي نواجهه في كل موسم إلا أننا ما زلنا نرغب بمجاورة بيت الله الحرام، ونتمنى أن تتاح لنا فرص أفضل لخدمة حجاج بيت الله الحرام وضيوفه، ومستعدون أن نتكاتف مع المسؤولين لنقدم قبلة الأرض وأم القرى بمظهر يشرفها ويليق بها، ولعله من المشين أن أناشد المسؤولين للتحرك لمثل هذا الأمر الذي من المفترض أن تحركه الغيرة على الإسلام وعلى هذه البقعة الطاهرة، لذا سأتركه نداء لأصحاب الضمائر الحية.