شكَّل القرنان الهجريان الرابع والخامس أزهى عصور المعرفة في مسيرة الفكر العربي، وأنجبا علماء أفذاذا في حقل الدراسات القرآنية والنقدية واللغوية. وفي ذلك العصر نضجت نظريات العلماء في (إعجاز القرآن)، ذلك الحقل المعرفي المهم من حقول المعرفة الإسلامية، الذي أولاه علماء ذينك القرنين جلَّ اهتمامهم واختلفوا إليه تبصراً وتدبراً وتحليلاً، ورؤى حفلت بثمار فكرهم العبقري، وجنى بصائرهم الواعية.
وتعد مكتبة (إعجاز القرآن) في ذلك العصر وما تلاه من أثرى المكتبات وأغزرها فكراً، إذ انصرف اللغويون والأدباء والمحدِّثون، والفلاسفة المتكلمون المعتزلة، والبلاغيون والفقهاء إلى معاودة النظر في تجليات الإعجاز ومناحيه، وصاغوا لذلك مفاهيم واصطلاحات، وانتهوا إلى أفكار ونتائج تكاد تمثِّل خلاصة ما وصل إليه الفكر البشري من جهد وطاقة في هذا الجانب.
ويشكِّل (الإعجاز البياني) عنواناً رئيساً ومفصلياً تحور حوله الاجتهادات والأبحاث والمقاربات، وكان منذ نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وجه الإعجاز الجلي، الذي أدركه فصحاء العرب بفطرتهم السوية، ثم كان مطرحاً خاض فيه العلماء باختلاف اتجاهاتهم، كأبي عبيدة، والفراء، وابن قتيبة، والزمخشري، والقاضي عبدالجبار، والرماني، والخطابي، وغيرهم. ثم عبدالقاهر الجرجاني الذي أفرد (رسالته الشافية في الإعجاز) لهذا الموضوع تحديداً، ثم وهبها خلاصة فكره الناقد في كتابه الشهير (دلائل الإعجاز).
وجماع الأمر في إعجاز القرآن الكريم، وخلاصته التي انتهى إليها العلماء بطرائق تناول وزوايا نظر، ورؤى وقدرات فكرية ومعرفية مختلفة، أن الإعجاز البياني هو وجه الإعجاز الأجلى والأعظم، بكل ما ترتَّب على هذه الفكرة من نتائج، وإليها يستند العالمان المحققان محمد خلف الله أحمد، ومحمد زغلول سلام، في إقرار (أن القرآن صار معجزاً، لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، مضمَّناً أصح المعاني من توحيد وتحليل وتحريم... إلخ، ومعلوم أن الإتيان يمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق، أمر تعجز عنه قوى البشر)، ومن ثم كانت ألوان البيان القرآني وفرائد صوغها العجيب، هي مناط الإعجاز، لأن العرب أمة اشتهرت بالفصاحة والبيان، فأتى الله لهم بمعجزة من جنس ما برعوا فيه، كما هي سنة الله في أن يجعل معجزة كل نبي، من جنس ما برع فيه قومه.
وتبدو هذه المقدمة ضرورية للحديث عن شاغل شغل رهطا من الباحثين والعلماء الفضلاء المتأخرين، حول أوجه إعجاز القرآن الكريم، حيث انصرفوا عن مراكمة فكرة الإعجاز البياني القرآني، إلى ما سموه الإعجاز العلمي فيه، لغاية نبيلة رأوها، ووقرت في أذهانهم، وهي إخبار القرآن واستباقه الإشارة إلى حقائق علمية أثبتت التجارب العلمية الحديثة صحتها. ونبل الغاية، لا يبرر دائماً وسائل الوصول إليها، فدورة حياة الجنين في رحم الأم، والطاقة الحيوية للكائن البشري، ومراحلها، وعلوم الفلك والمجرات، وعلوم البحار.. وغيرها من المعارف والحقائق العلمية التي ذكرها القرآن، وعرفها العلم البشري الحديث، ليست هي وحدها ما يثبت حقيقة وجود الخالق عز وجل وأسرار عظمته. وليست هي وحدها ما يقف بالإنسان على سر عظمة هذا الكتاب العظيم.
وأن يصرف المنتمون لحقل الإعجاز العلمي جهودهم للتعريف بذلك، فذلك ما لا طائل من ورائه. وهو ما يفترض سؤالا: ماذا يريد أن يثبت أولئك..؟ ولماذا؟ ولمن؟
فآية الإعجاز، هي المستوى البياني الرفيع المعجز الذي نزل به القرآن الكريم، الذي يفوق قدرات البشر. والامتثال لآداب وقواعد ومقررات وأحكام القرآن، ودعوته لإعمال العقل والتفكير في ملكوت الله، وإعلائه لشأن العقل وقيمة الإنسان؛ هي مناط الحكمة في هذا الكتاب المقدس، أما أن نقتات موائد الكشوفات العلمية التي أفنى العقل الغربي حياته في صناعتها؛ لنقول إن القرآن سبق بذكرها، ونظل في موقع المتلقي المستفيد من تلك المنجزات، دون أن نشارك فيها، وأن يظل العقل الإسلامي معطلاً، ووقفاً على تكرار واجترار دعوى أن القرآن قد سبق قدرات العقل البشري في ذكر الحقائق وتقديم معطيات الاكتشافات فتلك سلعة العاجزين.

[email protected]