هكذا نحن في مجتمعنا المُتحفّز لأي شيء، والمتوجس من كل شيء، فبإمكان أي أحد من (عيال الحارة) أن يصنع حدثاً تطير به ركبان (الفيس بوك) ويتناقله ندماء (التويتر)، فتُطلق عليه الصحافة مسمّى (حِراك)، وكي تضمن الوسيلة الإعلامية أهميتها فإنها تجنح لأحد (أقصى الطرفين) وتسمّي ذلك (قلب الحدث)!
فالأسابيع الماضية كان (الحراك) في المجتمع يدور في غالبه ومغلوبه حول هذه الحركات -حسب المعنى الدارج للمصطلح اجتماعيا- فتمحورت مشاكلنا واختزلت في (البنات)، وكأنه تحايل على (الوأد) الجاهلي، ففي أسبوع واحد - فقط - تكررت لفظة (بنات) أكثر مما قاله نزار في دواوينه مجتمعة، فمن (رياضة البنات) إلى (ابتعاث البنات) وليس انتهاء بـ(صعود عضو هيئة لحافلة مدرسة بنات)، فنحن حتى ممارستنا (للصعود) نرتكب (سقطات) مفاجئة لكنها تخلو من الدهشة، ففي رياضة البنات مثلاً مشكلتنا ليست مع الرياضة، وأيضاً ليست مع البنات، مشكلتنا هي (صراع) بين تيّار يدّعي أنه محافظ، وتيار آخر (محافظ أيضاً) لكنه لم يجد عملاً فتفرع لمناكفة التيار الأول، وبما أن التيار الأول قال (لا لرياضة البنات) فإن الآخر قال: نعم، ولهذا فإن قرار رياضة البنات لو حدث فإنه يكون هزيمة للتيار الذي قال لا، ونصرا للآخر، فالمسألة هي (كلمة رجال)، والرجل لا يرضى أن يغيّر كلمته أبداً، باستثناء التغيير تحت بند (التراجع) التكتيكي، فالصراع ليس بسبب المرأة ولا الرياضة ولا المجتمع، إنما لهيبة التيار الذي لن يرضى أن يمرّغ رأيه وتأثيره في التراب، فذلك أمر دونه خرط القتاد، أما لماذا المرأة؟ فلأنها هي السبب في تأخرنا في المجالات كافة، فتخيّل -عزيزي القارئ- مجتمعنا بلا نساء، فسنرتب أولوياتنا الاقتصادية بهدوء وبلا صراع وشجار، لأنه لن يكون عندنا نساء نتخاصم لأجلهن بسبب (تأنيث المحلات)، وسيسافر العاملون في هذه المحلات لبلدانهم - يا للوحشة - وبالطبع لن يكون لدينا مدارس بنات ولا حافلات تقلهن. وعلى المستوى الفكري لن نخاف من تغريب المجتمع، فلا يوجد ابتعاث لهن، وسنجعل الغرب (الكافر) يعيش بطالة وتيها بعد أن فشل مشروعه في تغريبنا من خلال تدميرنا وحربنا باستدراج نسائنا نحو التحرر، فنحن قضينا على آمالهم وعرّينا مخططهم الماسوني القذر. وبالطبع لن يهدأ التغريبيون وسيصفون هذا التصرف بالمجنون والأرعن، وسيستميلون عاطفة البسطاء والعامّة ببلاغة لغوية كقولهم إن المرأة أحد جناحي المجتمع، وبأن المجتمع لن يحلّق بجناحٍ واحد، وهذا التبرير ليس أكثر من هرطقة لغوية، فنحن لم نُخلق للطيران، فنحن من الأرض وعائدون لها، وأيضا حكاية الانقراض للجنس البشري التي يصورونها كرعب في احتجاجٍ مُبطن على إرادة الله وما يراه الراسخون في التنبؤ، ولا ضير في ذلك فنحن على كل حال نعيش أشراط الساعة، وخيرٌ لنا أن نموت بعيداً عن فتنة النساء، فنحن بحاجة لشيء كالحلم بالحور العين يجعلنا نتعلق بالرجاء ونستعد ليوم الحساب!
بالطبع سيناريو الخيال أعلاه عبثي وغير موضوعي، لكنه هو الحقيقة التي تميّز مجتمعنا، باعتبارها ميزة، فنحن بارعون في إشعال الهوامش وإغفال المتن، نخاف الأسئلة الكبرى، لأننا نعلم أنها لا ترضي بإجابات افتراضية ولا بصوتٍ عال، لهذا تغرينا (الألوان) أكثر من (الأعداد) و(الأرقام).. نتجاوز (لماذا) طمعاً في المساحة التي تهبها (كيف) للكلام، هذه المساحة التي تغري الصغار عادة أصبحت مقصد الكبار، فثار الغبار واختلط النابل بالنابل (لا يوجد حابل مع الأسف) وما زال الأمل قائما لرؤية المزيد!
الصراع ليس بسبب المرأة ولا الرياضة ولا المجتمع، إنما لهيبة التيار الذي لن يرضى أن يمرّغ رأيه وتأثيره في التراب!
هيّا لنصنع مشكلة.. فالمرأة موجودة!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
