1 كانت مجرد تغريدة عن تساؤل حول القبحيات الثقافية في تويتر، ثم توسع الحديث لأكشف عن اسم صاحب أحد هذه الحسابات، ثم تطورت لمقالة تولدت عنها فكرة بحث أوسع وأشمل، وتمخضت عن كلمة واصفة للحال هي كلمة «الرهط»، وسأقف على أمثلة لمساعي الرهط لإحباط أو إيقاف النقد الكاشف لعيوب خطابهم.
2 قبل يوم من نشر مقالي الأول هاتفني محامي أحمد بن راشد بن سعيد، وعرفني باسمه وصفته، ثم ذكر أنه قرأ لي تغريدة عن نيتي نشر مقال عن وكيله، وطلب مني صرف النظر عن المقال، وامتدت المكالمة بضع دقائق لم يتمكن الرجل من قول أي شيء، لأني أجبته مباشرة بأني سأنشر المقال وأنا المسؤول عما فيه، وكررت الجملة عليه مرددا القول مع كل محاولة منه لإيقاف كلامي، حتى بلغ به الأمر أن سأل عن الجريدة التي سأنشر فيها المقال، ربما ليحاول التأثير على جهة النشر، ولكنه لم يسمع مني سوى جملتي إياها تتكررعلى سمعه، وهذه أول محاولة لإسكات الصوت الناقد، مع الاستعانة بالمؤثرات الوهمية تحت مسمى محام يساند رجلا كان الأولى به أن يعتمد على براهينه ومنطقه ويستغني عن تحصينات دفاعية لا تفيده بشيء ضد حقوق العلم والنقد والثقافة.
3 حينما ظهر مقالي جاءت تغريدة من إسماعيل البابللي يقترح فيها على ابن سعيد مقاضاتي على نقدي لخطابه، وقام ابن سعيد بتدويرها بسرعة البرق وسبقني في التعامل معها، وكنت ألمح صنعه هذا وأصابعي على لوحة المفاتيح أكتب للمغرد ولابن سعيد معا، وأقول لهما إن للرجل الحق كل الحق في مقاضاتي، وأنا مستعد لهذا ولن أكابر في الحقوق، وقلت له: صور تغريدتي هذه وخذها حجة لك، وسكت الاثنان بعد رؤية ردي، مما يعني أنهما كانا يوظفان الترهيب بالقضاء بدلا من توظيف المنطق والحجة، وكانا يظنان أني سأكابر وأقول إنني أمارس حرية التعبير وأنتما تحاولان قمعي، إلى آخر الموال المعهود (نسقيا أيضا). والرأي عندي هنا هو أن حرية التعبير تعني مسؤولية الشخص عن قوله، وحق التمييز هنا سيكون للشخص المتضرر، فإن رأى أن كلاما نشر عنه في تغريدة أو في مقالة وتجاوز القول حد التعبير إلى الإيذاء فهنا ستكون المسألة مسألة حقوق وليست مسألة ثقافية، والضابط المنهجي لها هو تقدير المتضرر للموقف، ولا يصح أن نقول للمتضرر إنك لا تفهم معاني حرية التعبير، وكأننا نؤذيه مرتين، وهذا أمر قلته من قبل وطرحته في مقالات وفي محاضرات، ومنها بياني الثقافي عن أخلاقيات تويتر. (وسأنشرها في مقالة قادمة بحول الله).
4 لن يتغيب هنا نظام الفزعة الأخوية وسيأتي مغرد يطلب من الدكتور عبدالعزيز الزهراني أن يتدخل ويصلح ما بين الأطراف ويرفع سوء الفهم، حفاظا على حقوق المحبة والتصافي، ولم يجد الدكتور بدا من الرد: (نعم بشرط أن يوافق الطرفان)، وكان ذلك جوابا ذكيا ودبلوماسيا لا يصد رغبة المغرد ولا يحرج نفسه بأمر لا معنى له.
وهنا سنرى أن الثقافة الاجتماعية تشتغل بطريقتها الخاصة لتخليص النسق من النقد وإنقاذه حين يحتاج لإنقاذ، وهذا رصيد أخلاقي راق ويدل على قلوب طيبة، ولكنه ينتهي إلى أن نحول النقد والمنهجية إلى مسألة في العلاقات العامة لا أكثر، وكأننا نصنف النقد كأداة لسلخ الخصوم فقط وفي مقابلها قائمة من المعصومين (...!!)، وهذا سيوقعنا بنوع آخر من اللاعلمية يسقط معه الحق العلمي ويحل محله (حب الخشوم).
5 سنرى أمثلة يقع الرهط فيها بالنقيض التام لمراده المعلن، وقد جاءتني ردود تلومني كيف أترك شياطين الثقافة الذين هم أخطر من ابن سعيد، ثم يذكرون أسماء وأفعالا وصفات تتوحش منها القياسات، وهنا ترى كيف يقع النسق بالخطأ تلو الخطأ حتى ليعالج غلطته بغلطة أخطر من الأصلية، أي إن الرهط هنا يقيس صاحبه بالنماذج القبيحة لكي يقول إنه جميل، وهذه حيلة نسقية لمنع القياس من التوجه إلى المقاسات الجميلة ولو أخذ بالقياسات الأجمل فهذا سيظهر صاحبهم أقل جمالا وأقل استحقافا للمنافحة دونه، لهذا يجنحون إلى جر الأمثلة القبيحة، لترجح كفة صاحبهم، وهذا ما يجعلهم يباعدون نظرهم عن كل من يذكرهم بالحديث الشريف: ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء، وإذا حضر هذا الحديث الشريف فستختلف القياسات كلها، وليس بخاف أن من أراد ميزانا أخلاقيا للقياس فإنه لا يقيس صاحبه على النماذج المعيبة التي ستقوده حتما إلى تبرير العيب وتحسينه، لأنه وضع الأكثر عيبا كنموذج للقياس، ومن ثم فسيكون صاحبهم أحسن من القبيح لا أكثر، وستتكشف اللعبة لو جربنا أن نسأل: ما مقاس صاحبكم لو قارناه بأمثلة الجمال ونزاهة اللسان وحصانة اللغة...!!
هنا تقع المخاتلة النسقية في أسوأ غلطاتها. وكلما جنحت لقياس السيئ بالأسوأ فسيبدو السيئ في عينك جميلا، مهما كانت درجة قبحه، وهو ما حدث ويحدث عند الرهط وفي خطابهم.
6 جاءتني تغريدات تقول: نقدك صحيح، لكن ليتك تجنبت الأسماء، ولوفعلت سلمت من الهجوم، وهذا كلام يصدر عن النوايا الحسنة ولا شك، لكنه يقول إن حصانة الشخص بذاته أعلى من حصانة القيم، وكأن القيم تسير دون أسماء اللغة وناطقيها، أو كأننا ندجن النقد ليكون حييا خوافا، وهنا تكتمل الحبكة النسقية في محاولة إسكات النقد بدءا من رهط يقع دون أن يدري بالاعتراف أن صاحبهم سيئ، ولكن هناك من هو أسوأ منه، ويطلب منك أن تدعه وتوجه نظرك لغيره، ولا يكتفي بذلك، بل يقع في التضارب الثقافي بين القيم الدينية والوطنية، ثم يستخدمهما في الفجور في الخصومة، وهذه خاصية عند الطرفين معا، وقلت من قبل إنهما معا صيغة لنسق واحد، وحينما أقول عن توحش الخصومة فإني أحيل إلى الوسم (الغذامي يقيم...) حيث تكثر صفات التفسيق والتكفير وتتردد كلمة المنافق، وكلها في سياق كلام عني تحديدا.
7 مصطلح الرهط، كما تكشف هذه السلوكيات، هو مصطلح فرضته حالة الخطاب في تويتر، حيث تتعدد صيغ التعبيرات وتتنوع وسيجد فيها الباحث مادة ثرية للبحث، ويبرز نوع يستقطب الملاحظة العامة في تويتر ويتجمع حوله فئة من المتابعين (وليس كل المتابعين، بل شريحة محددة ليست كبيرة العدد، لكنها عالية الصوت ومثابرة في تغريداتها حتى لتحتل موقعا بارزا في فضاء التغريد، وفيما بين الحسابات)، وكان لا بد من تخصيص هذه الظاهرة بالدرس ومن ثم تشخيصها بتسمية، مع رصد حركة خطابها وسلوكها، وقد أمدني الرهط بمادة ثرية في اللغة وشواهدها وفي السلوك وشواهده، وهذا يؤسس لنسق يفرض اسمه وهويته تحت كلمة الرهط والرهطوية، ونقد هذا الخطاب سيصبح مادة في كشف حركة الأنساق وكيف تتغلغل حتى مع حضور التعددية الثقافية، ولعل حماس الرهط واشتعال توترهم كان بسبب أجواء التعددية الثقافية، ما جعلهم يضاعفون جهدهم لكيلا يضيع صوتهم وسط الأصوات الأخرى الحاضرة بشكل جلي في تويتر، والجو العام في تويتر يميل للتعدد والتعددية الثقافية، ولكن ظاهرة الرهطوية تأخذ لنفسها حيزا يلفت نظر كل متابع، وتتوسل بكل الحيل لقمع النقد ومنعه.
8 مع المقالات الثلاث نصل للحظة يصح لنا أن نطلق مصطلح (الرهطوية) قياسا على (الشعب/ الشعوبية) و(المذهب/ المذهبية) و(الطائفة/ الطائفية) و(القبيلة/ القبائلية)، وقد شرحت ذلك من قبل في كتابي القبيلة والقبائلية، ما بين مفردة محايدة يقابلها مصطلح موشوم ومقيد بخصائص تلحق به، على أن الرهط لم يعد مجرد رهط فحسب، بل تحول إلى ظاهرة رهطوية ترسخت وتزداد ترسخا بدفاعها عن خطابها بأسلوب يستخدم العيوب نفسها ويوغل فيها، وللحديث صلة في مقالي القادم، بحول الله.
هنا تقع المخاتلة النسقية في أسوأ غلطاتها. وكلما جنحت لقياس السيئ بالأسوأ فسيبدو السيئ في عينك جميلا.
المكشوفة الكاشفة.. قياس السيئ بالأسوأ
عبدالله الغذامي6 دقائق للقراءة

حجم الخط
