مشوار.. لا نهاية له

قبل ثلاثة عقود تقريبا عندما أمسكت بالقلم بين أصابعي (كان الكمبيوتر يومها في عالم الغيب بالنسبة لنا) لأكتب بشكل راتب في الصحف والمجلات، آليت على نفسي أن أغمس حبري في حياة الناس اليومية، وألا أتجاوز الواقع لحظة، فالكتابة والأفكار عندي يجب أن تُستخلص من الواقع لا من الكتب والتقارير والأحلام التي تخالط النفوس والأهواء، وانطلاقا من هذه القناعة الصارمة انطلقت، أرصد حركة واقعنا وأناقش القراء وأحاورهم حول ما أرى ويرون، رافعا شماغي محييا تارة، ورافعا صوتي احتجاجا واستهجانا تارة أخرى، لا أنتظر ثناء من أحد، وغير مبال بشانئ أو غاضب، إن أرجو إلا إصلاحا، وأجري على الله.
حاملا همي هذا، رسالة، طفتُ بكل المنابر التي فتحت لي أذرعها وشرفتني بالوقوف على منصاتها من صحفنا المحلية التي تصدر في كل مناطق المملكة القارة، وتلك التي تصدر في الخارج، إلى أن استقر بي المطاف في «عكاظ»، فتوقفت قليلا لألتقط أنفاسي وأعطي بعض اهتمام لتأليف الكتب الذي شغلتني عنه الكتابة الصحفية، وهموم الجامعة التي لا ترحم صيفا وشتاء وكأنها لا تعترف بشيء اسمه الفصول.
ولكن هيهات.. إذ أتتني الدعوة ممن لا أستطيع (بل ولا أريد ولا أقبل) أن أرد له دعوة، صديقي وأخي الدكتور عثمان الصيني عاشق الإبداع والتطور الإعلامي. أعرف أن شهادتي فيه مجروحة ولكني أصر على موضوعيتها، فما خطته أنامله في تاريخنا الثقافي والإعلامي لم يعد ملكا له، فهو في ذاكرة التاريخ محفوظ يطالعه كل من مرَّ بقرب باب الإعلام، وليس من دخلوا ساحته فقط.
ليست فقط أطهر أرض الله «مكة»، بل هي مختصر تاريخ رحلة الروح البشرية متقلبة عبر تجاربها المتطورة إلى بارئها، فأن تتشرف إصدارة تصدر منها تحمل منها الاسم بكل حمولاته التاريخية والروحية، فإن هذا بحد ذاته يعتبر تحديا، نسأل الله أن يعين الصيني عليه.
والحرفيون في هذا المجال يعرفون أن الاسم الذي تحمله الصحيفة أو إصدارة شاملة إذا كان بثقل حمولات ودلالات اسم مثل «مكة المكرمة»، فإنه سيلقي بظله الثقيل عليها ويحد من فضاء حركتها ويقلص مجالها الحيوي. هذا مركب صعب ويحتاج إلى ربان بمهارة الأخ والصديق الدكتور الصيني، فهو أقدر من غيره على البحث عن مسارات تجعله يقوم بتحويل تحدي الاسم إلى رصيد يدعم المشروع الإعلامي بحرفية عالية، فالإسلام ليس مجرد دين كأي دين، ولكنه حضارة وثقافة.
وعليه يسرني في مفتتح هذا اللقاء بقراء «مكة» أن أشكر أخي الدكتور عثمان على تشريفي بهذه السانحة لألتقي بهم، وأعدهم بأن أستأنف بصحبتهم تلكم الرحلة التي قضينا في دروبها زهرة الشباب، وأعدهم أن أكون كما كنت دائما عينهم التي ترى وأذنهم التي تسمع واللسان الذي به ينطقون، وبعد هذا وذاك العقل الذي به يفكرون، وهذا عهد وميثاق بيننا.
ما زلت على قناعة تزداد يوما بعد يوم بأن واحدة من أكبر آفات العمل الصحفي عندنا تلكم الخطوط الوهمية الحمراء التي يضعها بعض مسؤولي إجازة المواد الصحفية، وخاصة مواد الرأي منها.
وقد اشتكى أكثر من كاتب صحفي متعاون من حقل الألغام الوهمي الذي يجعلك هؤلاء تسير فيه بحذر يحول دون كشف السلبيات بشكل واضح، كما يحول دون الاطلاع؛ اطلاع الرأي العام على بعض الأفكار النيرة والجريئة في إبداعيتها. هؤلاء المسكونون بخوف لا مبرر له يشكلون ستارا حديديا في وجه الفكر الإبداعي. وقد كتبت من قبل في كبريات صحفنا المحلية عكاظ، بأن البعض من هؤلاء يريد أن يجعل من الصحيفة مرآة يرى فيها المسؤول صورته كما يحب هو أن يراها، وأنها بهذه المثابة تتحول إلى صحافة (صدى) لصوت المسؤول؛ إذ لا صوت لها؛ فهي خرساء لا تتحدث عن نفسها، ولا عن قرائها.
والآن، وبعد ربع قرن من الزمان، أجد أن الأمر لم يتغير كثيرا، على الرغم من مساحة التعبير الكبيرة والواسعة التي أفردها ولاة الأمر لنا، ليس عن طريق التوجيه فحسب، وإنما بتقنين هذا الحق في التعبير، عبر مؤسسات وتشريعات لم نُحسن حتى الآن استغلالها وتوظيفها بالشكل الملائم والمطلوب. وأستطيع من خلال تجربتي الخاصة الأخيرة مع عكاظ التي حكيت عنها قبل ربع قرن أو أكثر، أن أدلي بشهادة للحق بأنها كانت أكثر وعيا وانفتاحا على الجديد من الأفكار، وأكثر ترحيبا واحتفاء بالجريء جرأة محمودة منها وغيرها من الصحف.
وهذا فيما أحسب هو التحدي الأصعب الذي يواجه المجموعة التي ستقود «صحيفة مكة»
هل يستطيعون أن يخرجوها من «عباءة هؤلاء المسكونين بخوف لا مبرر له» بعد أن يخرجوا هم أنفسهم منها؟ وهذا ما آمل وأتوقع حدوثه، وسأكون تواقا لأن أرى كيف ستكون عليه شكلا ومضمونا على أيدي من يقودون هذا الصرح الوليد. وأن يطبعوا على الصحيفة وعلى أسلوب العمل فيها بصمتهم.
فالوطن كما نشهد يخطو بقوة وإصرار نحو آفاق نهضوية لا محدودة، عبر خطط تنموية استراتيجية طموحة، والدولة تبذل بسخاء منقطع النظير لتحقيق أهدافنا الكبرى، وميزانية هذا العام وما خصصته من موارد لتنمية الموارد البشرية تقف شاهدا على هذا. فهل أداء مؤسساتنا يتوافق ويعكس هذا على أرض الواقع، أم إن هناك فجوة بين طموحاتنا وإمكاناتنا وبين ما نحقق على أرض الواقع؟ دائما كان، وسيظل، هو السؤال الذي يؤرقني ويستفز قلمي.
اللهم اجعل حضوري في قلوب الناس كالمطر يبعث الربيع ويسقي العطشى.
