تحدثت في مقالتي السابقة عن معنى الرجولة عند العرب ما قبل الإسلام، وشدتني قصة وفاة عنترة بن شداد ومعنى من معاني الرجولة بها، رغم شك المؤرخين في حقيقة أحداث سيرة الرجل كلها.
وإذا كانت الرجولة هي إحدى أهم صفات البشر إلا أنها صفة شعوب وأمم أيضا، فيذكر التاريخ لجيوش المسلمين بقيادة أمين الأمة أبو عبيدة بن الجراح الذي دخل مدينة حمص في الشام وكان قد اتفق مع أهلها على أداء الجزية وأخذها منهم، وتطورت المعارك بين المسلمين والروم واضطرت جيوش المسلمين للانسحاب من حمص للتجمع لملاقاة جيوش الروم، فما كان من أبي عبيدة إلا أن جمع شيوخ وقادة أهل حمص ورد لهم الجزية، وهو يقول: والله لقد أخذناها منكم جزاء الدفاع عنكم أمام الروم، أما ونحن ننسحب من مدينتكم فليس لنا حق فيها، وأعاد الجزية لهم. ويذكر التاريخ أيضا أن جيوش المسلمين حاصرت مدينه بالهند، وتحيّن المسلمون الفرصة فهاجموها بغتة دون أي إنذار أو تخيير لأهلها بين الإسلام أو الجزية أو الحرب، واحتل المسلمون البلدة، وذهب وفد من أهلها ليقابل أمير المؤمنين ويتظلم له من أن جيوشه لم تخيرهم ولم يختاروا، وهوجموا وتم احتلال مدينتهم وسبيت نساؤهم، وتم الاستيلاء على ممتلكاتهم، فما كان من أمير المؤمنين بعد تأكده من ذلك إلا أن أمر جيش المسلمين بالانسحاب من المدينة وإرجاع الأسرى والممتلكات ودفع دية القتلى وبناء سور المدينة الذي تهدم، وبعد ذلك أرسل الجيش إليهم يخيرهم، فما كان من أهلها إلا أن اختاروا الإسلام طوعا. وتبقى الآية الكريمة «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه» (الأحزاب 23)، لتعلي قيمة الرجولةأفرادا وشعوبا.     
[email protected]