ارتبطت القطارات على مستوى العالم بنبض حيوات ومعاش الناس، فالدأب الذي تعمل به يعكس نبضاً موازياً لحركة وروتين الحياة. فقد ارتبط القطار في أوروبا مثلاً بحركة الناس بشكل كبير حتى أنّ الموظفين والعمال يستغلونه إلى أماكن عملهم، والطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم عوضاً عن سياراتهم. وبمروره خلال رحلاته لا بد أنّ القطار يداعب الأرواح، يفرحها أو يشجيها، فمنهم المنتظر لهفة للقاء عزيز أو المتحسّر أسىً لفراق آخر.
حظيت بالسفر للمرة الأولى عبر القطار في العام 2008م في رحلة من القاهرة إلى الإسكندرية، ورغم أنّه لا ذكريات سابقة لدي عن هذه الوسيلة الموحية إلا أنني استحضرت وجوده من كتابات تلوستوي وديستوفسكي. واستلهمت الروح الأخاذة التي ارتبطت بالقطار على مرّ العصور وفي مختلف الأمكنة، فهو منجم حافل بالأفكار التي تولد القصص والروايات مثل الرواية الشهيرة للكاتب البرازيلي الأشهر باولو كويلو (الألِف) والتي تمت أحداثها على متن قطار عبر به قارة آسيا على اتساعها. وهناك أيضاً قطار الشرق السريع الذي تمتد رحلته من باريس إلى إسطنبول مروراً ببودابست وبوخارست وفارنا، والذي استلهمت منه الروائية أجاثا كريستي روايتها الذائعة الصيت التي تحمل اسمه. بقي ذلك القطار على حاله منذ أول رحلة له في عام 1883م وحتى الآن وهو يجوب أوروبا دون أن يكل أو يمل.
وهنا في المملكة العربية السعودية فقد عزمت المؤسسة العامة للخطوط الحديدية على استشراف مرحلة جديدة لتسيير قطارات تعمل على تسهيل حركة الناس وأخرى لنقل البضائع. ومن خلال النقل الآمن، فسوف تقلل بشكل كبير من حوادث الطرق التي حصدت الأرواح العزيزة. كما أنّ القطارات الخاصة بالبضائع بتقليلها من ازدحام الشاحنات على طرق المرور السريع التي أصبحت مسرحاً للعديد من الحوادث، ستعمل أيضاً على نشر السلامة المرورية على تلك الطرق. أما مساهمة القطارات في الاقتصاد السعودي والتنمية، فبربط مناطق الإنتاج الزراعي والصناعي بمنافذ الاستهلاك والتصدير، بشكل أكثر أماناً وأقلّ تكلفة. والمملكة بمساحتها الشاسعة مؤهلة للاستفادة من كل محطة تمر بها هذه القطارات سواء أكان داخل المدن أو على أطرافها.
أما أهمية سرد هذه الحقائق فهو بسبب ما جاء على صدر هذه الصحيفة الغراء (مكة) أواخر الشهر الماضي وهو «دعوة المختصين في مجال التربية والسلوك إلى غرس ثقافة النقل بالقطارات لدى المجتمع قبل انتهاء المشاريع التنموية في قطاع النقل العام، والمقبلة عليه عدة مناطق في السعودية، تلافياً للتجارب العبثية التي حدثت من قبل شباب لم يعبأ بأهمية تلك الخدمات التي تقدمها الدولة، مشيرين إلى أهمية تعزيز الوعي لدى طلاب المدارس للتعامل الأمثل مع وسائل النقل العام بما فيها القطارات».
وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح من التعليقات السلبية عبر الوسائط الإعلامية من البعض على الأخبار المرتبطة بتدشين قطارات حديثة. عندما يرتبط الأمر بالتنمية وتيسير حياة الناس، تبرز الحاجة إلى التوعية المجتمعية بأهمية مثل هذه المشاريع بل بتبنيها. ولعل السبب في سخط بعض الشباب والازدراء الحاصل لمثل هذه المشاريع هو عدم الوعي بما يجنيه بثّ الآراء النمطية والسلبية ومدى تأثيرها في الفضاء المجتمعي، الذي أصبح ملتقىً مفتوحاً لا وازع لديه ولا ضمير، وهو ما يشجع على سيادة الروح الناقدة للفعل الحسن وللمشاريع البناءة دون تمييز.
والغريب أنّ أغلب المنتقدين يعقدون مقارنات بين القطارات السعودية قبل انطلاقها وقطارات الخطوط الشبيهة في المنطقة العربية مثل قطار دبي. وعلى الرغم من أنّ هذا الحديث يوافق هوىً بضرورة إنشاء قطارات أنيقة وسريعة إلّا أنه يبخّس إنجاز الدولة مهما علا شأنه.
مشروع القطارات لا يُكسب الزمن فحسب وإنما يشيع زماناً آخر عامرا بالبهجة والألفة، فعند كل محطة من محطاته ستتفتق أجزاء من ذاكرة أو استشراف لمستقبل، وعند كل رحلة من رحلاته سيتمثل أحد مشاوير العمر، وعند مروره على الدروب سيشجو الحنين واللهفة ولوعة الانتظار.