إذا كان تنوع الأنظمة التقاعدية ووصولها إلى سقف الثلاثة أنظمة مُبررا على خلفية تعدد الأنظمة الوظيفية، فإن التباين الواسع فيما بينها حول نظام التقاعد المبكر مريب ولافت للنظر بشدة، وكثيرا ما يَطرح أبرز التساؤلات وأكثر الأسئلة إثارة في سبيل البحث عن الأجوبة الخالية من الانفصام.
يزيد المسألة تعقيدا تصاعد صمت المؤسسات التقاعدية عن الحديث في الموضوع، أو الظهور للناس بشجاعة وقول ما يمكن قوله في إطار المبني على البراهين القادرة على إزالة اللبس وإزاحة علامات الاستفهام العالقة في ذهنية الرأي العام بجوار علامات الاستفهامات الأخرى الرابضة في ذات الذهنية حول استثمارات مؤسسات التقاعد وعوائدها، طرق إدارتها.. إخفاقاتها ونجاحاتها، وهذا شأن يطول فيه الحديث ويسخن كلما طعمت أطرافه بمجالس الإدارة في مؤسسات التقاعد الموقرة.
مشكلتنا الحقيقية أننا نطالب بالشفافية نهجا ويرعبنا الاقتراب من حدودها ونصطدم معها على الطبيعة، وهذا جبن إداري ترعاه نظرية التملص التي يظن أتباعها أنها حبل النجاة المفتول، وأظن الأتباع قد تناسوا أن هذه النظرية لم تعد سارية المفعول في غالبية بلدان العالم، حيث أصبحت بحكم التقادم والوهن مهزوزة لا تحظى بالاحترام لدى العامة، وفي هذا مدعاة للتساؤل عن حالها في نظر الباحثين والمثقفين، إنها نظرية هرمت وأخذت مكانها الطبيعي في مزبلة الأيام بالنسبة لوجهة نظر أهل الرأي وأصحاب الاختصاص، لأن نظرية التملص في نظرهم دمية متلبسة بالسخرية ولم تعد تجدي لستر العورات، أيضا لم تعد هي اللعبة الجاذبة في ظل انكشاف المؤشرات السالبة الدالة على المسؤول المراوغ الذي ينعته الناس في سالف الأيام الغبراء بالذكي الداهية، هذه النظرية لا تقبل من الأتباع إلا عينة رخوة من المصابين بفوبيا المواجهة ومن يناصرونهم من المنافقين، والتوقعات لا تستبعد وجود البعض يسيرون في شرايين الإدارات والمصالح الحكومية في وقتنا الحاضر، فلكل سوء إثارة، وللأنقاض الإدارية، إذا جاز القول، نفايات وبقايا.
عموما، التباين في أنظمة التقاعد المبكر، برغم ما فيه من جور على الخاضعين لنظام المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية تقاعديا، يمر مرور الكرام من أمام المسؤولين بشكل عام، وحتى أهل الاختصاص أيضا، وقلما يسترعي انتباه أحد. معلوماتي أن هذا التباين لم يظهر مطروحا على طاولة النقاش ذات يوم، ولا أذكر أن مجلس الشورى أو حتى أي من المراكز البحثية قد أولته الاهتمام اللازم وشَرحتْ شأنه بشكل يشخص العلة ويمهد الطريق لمعالجتها لزوم العدالة.
كتبت أكثر من مرة عن هذا النظام وتساءلت عن سبب زيادة نصاب سنوات الخدمة المقررة للحصول على التقاعد المبكر للعاملين تحت مظلة نظام العمل، مقارنة بالأنظمة الوظيفية الأخرى، رغم أنهم أصحاب المشقة والعناء، وأكثرهم، إن لم يكن كلهم، عرضة للأخطار المهنية والنفسية، وخصصت مؤسسات التقاعد بالحديث ليت وعسى أن يسعوا مسعى خير لتحقيق ما أمكن من العدالة، استجديت مثل غيري مجلس الشورى من ناحية أخرى وتوارى القوم عن الأنظار وانشغلوا وأشغلونا بالحديث عن المرأة والنعام، إنهم حقا عظماء لا يلقون بالا لشؤون العمال الكادحين، ليتهم يحققون شيئا يُذكر لهم ويُذكِر بهم أو يغادرون قبل أن نكرههم.
الخلاصة أن الفروقات في المدد المحددة للحصول على التقاعد المبكر في الأنظمة التقاعدية لا تستند كما يبدو إلى منطق يمكن لمعطياته أن تفرض القبول بعقلانية المدة المحددة للتقاعد المبكر بالنسبة للخاضعين لنظام العمل ونظام التأمينات الاجتماعية والمقيدة بشرط إمضاء 300 شهر خدمة، أي «خمس وعشرين سنة» في الوقت الذي حددت فيه المدة بعشرين سنة للخاضعين لنظام الخدمة المدنية وأقل من ذلك لنظام الخدمة العسكرية. هل من إجابة تغطي جزءا من الأسئلة؟ وفي الأخير العدالة هي الأهم. والسؤال: من يعلق الجرس؟
[email protected]