في منتصف وطأة الفقد، وفي أشدّ عهود الأمة الإسلامية والعربية حلكة واحتياجاً إلى حكيم، رحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود سمح السريرة والمحيّا، فقد كان رجلاً استثنائياً وبرحيله تزداد الحساسية بالفقد الجلل.
الكلّ ماضٍ إلى أجلٍ محتوم وليس من بدّ غير الرضا بقضاء الله وقدره، وإنّنا حين نرثي الملك عبدالله نرثي فيه الإنسان الذي عرفه العالم أجمع بإنسانيته وتبسطه مع غيره دون أن يمس ذلك من هيبته. وهو الذي نادى بإنصاف البسطاء ونصرة المظلومين والمحتاجين والمجتاحين بأهوال الحروب والأزمات العديدة في العالمين العربي والإسلامي.
فقدته الإنسانية في مبادراته من أجل السلم والأمن العالميين والذي يبتدئ من إشاعة روح التسامح بالحوار. وبرعايته الكريمة وعلى يديه وُلد حوار الأديان وحوار الحضارات. ولأنّه ظلّ ينادي دوماً بإرساء دعائم الحوار بين الشرق والغرب وبين الديانات والحضارات المختلفة، وجّه بالوقوف عند معوقات التضامن والتباحث في حال الأمة الإسلامية مع وضع خطط للتواصل والحوار مع مؤسسات العالم الخارجي. غاب الملك عبدالله بعد أن أهدى للعالم الأمل في السلام، فبكاه محبو السلام، وقد كان طودهم الأشمّ والذي شيّد صروحاً يرنون إليها من أجل السلام.
ما زالت تترى العديد من ردود الأفعال عربية وإسلامية وعالمية معبّرة عن الحزن المقيم بفقد ملك الإنسانية. فقد اعتبره الكثير من الزعماء في الشرق والغرب صديقاً شخصياً أعجبوا بحكمته ووضوحه وصراحته وحسمه في كثير من المواقف التي لا تقبل المداهنة.
كثيرة هي تعبيرات الحزن التي أزجاها من تعرّفوا على الملك عبدالله عن قرب، ولكن لفتت نظري بعض كلمات الحزن التي جاءت بها صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، ومنها بعض من كانت لهم نظرات ثاقبة علّقت على اهتمام الملك عبدالله بشكل خاص بالمرأة وتنميتها وضرورة تعليمها وتطورها. فقد عبّر «توني بلير» رئيس الوزراء السابق في المملكة المتحدة، عن حزنه بهذه الكلمات: «أنا أعرفه جيداً ومعجبٌ به بشكل كبير، وبالرغم من اضطراب الأحداث في المنطقة من حوله إلّا أنّه كان حليفاً مستقراً، مشيراً إلى أهم إنجازاته لبلاده مثل تأسيس جامعة الملك عبدالله، جامعة العلوم والتكنولوجيا، حيث تتعلم فيها المرأة بجانب الرجل».
أما «كريستين لاجارد»، رئيس صندوق النقد الدولي فقد عبّرت عن حزنها قائلةً: «أشعر بالحزن الشديد بوفاته، فقد قابلته عدة مرات، وبالرغم من أنّه ترك وراءه إرثاً كبيراً، إلّا أنّ رحيله خسارة كبيرة أيضاً، معترفةً أنّه كان قائداً عظيماً وبطريقة ما كان مدافعاً قوياً عن المرأة».
واهتمام الملك عبدالله بالمرأة ليس بغريب على مسيرته التي اهتمت بكل فئات المجتمع، وبتركيزه بشكل خاص على الفئات التي كانت فيما قبل مغيبة أو مهمشة أو مدعومة على حياء وحذر. فعندما أخرج المرأة وإنجازاتها إلى العلن، ظهرت عالمات خضن معتركات علمية ما كان ليتسنى لهنّ خوضها لولا دعمه الكبير، وقد تم تكريمهنّ وحملت كل منهنّ مشعلها وسارت في طريق خدمة الوطن وتنمية المجتمع. واهتمام الملك عبدالله بالمرأة نابعٌ من تكريم الإسلام لها منذ ظهوره بوصفها الإنساني، وما فعله هو استحضار روح عظمة الإسلام التي ترفع من قدر المرأة ولا تحطها. ولا تنسى المرأة السعودية يوم التاسع والعشرين من صفر 1434هـ، الموافق 11 يناير 2013م، يوم أن كتب التاريخ في أعمق صفحاته أسماء ثلاثين امرأة تم اختيارهن بقرارٍ ملكيٍّ سامٍ لدخول مجلس الشورى، وهنّ من هنّ العالمات النابغات والطبيبات والحكيمات. اختصر الملك عبدالله تخرصات البعض في أنّ المرأة تحتاج إلى زمن طويل للدخول للمشاركة، ولكنه أثبت أنّها قادرة على صنع هذا النوع من المعجزات وبمباركته انطلقت مسيرتها.
رحم الله الملك عبدالله، وفي عليين في سُررٍ من إستبرق تغرّد حوله طيور الجنّة، كما كان يتحلّق حوله الأطفال الصغار يقبّلونه فتدمع عيناه تأثّراً ورحمة.