سيبقى الفنّ نافذة مشرعة على معنى الحياة العميق، وبابًا حانيًا نلجُه لنذوق طعم الوجود، وسيبقى الفنّ فعلاً إنسانيًّا نفزع إليه كلّما أثقلتنا الهموم؛ كي يمنحنا القدرة على أن نكون سعداء في مواجهة العدم.
تشعر بهذا المعنى وتتذوق الوجود وتحسّ بالسعادة حين تجد نفسك في حفل اختتام «المهرجان الدولي للطبول والفنون التراثيّة»، فتعيش حلم وحدة الجماعة الإنسانيّة من كل الأعراق والأجناس والأديان والمذاهب، وهي تقدّم خلاصة روحها الراقصة على إيقاع طبل رافقها منذ أمد بعيد، وجاءت رؤية الفنان المصري الكبير انتصار عبدالفتاح ليخترع عنوان «حوار الطبول من أجل السلام» فيعيد للفن وحدته، ويرد الإنسان الحديث التائه من حال غربته، فيجعل الجمهور المحتشد في قلعة صلاح الدين في القاهرة يرقص بجماعه مع الفرق المشاركة من ثلاث وعشرين دولة معًا على إيقاع عشرات الطبول في مشهد إنسانيّ مهيب، وفي موقف صوفي ذوقي عجيب، نحن أحوج ما نكون إليه في هذه الأيام، ليطهّر أرواحنا ممّا أصابها من مآسي الصراع، وجراح الحروب.
إنّ هذه التجربة الفنيّة العميقة لتدعونا جميعًا إلى إعادة النظر في غربتنا عن فنوننا الشعبية، وعن جدوى عيشنا بعيدًا عن طقوس فنيّة تعبنا قديمًا حتّى صغناها من أنغام أرواحنا، ولمّا انشغلنا بما استجدّ من أمور الحياة تُهنا عنها وتاهت عنّا، وقد آن أوان عودتها طريّة نديّة في تيار حياتنا الكئيب.
إنّ الدهشة التي تعتريك وأنت تشاهد الطبول بأنواعها وألوانها وأشكالها وطرائق التعامل معها، عزفًا ولعبًا ومحاورة، لتجعلك تدرك معنى ما بين البشر من اختلاف عميق، وفي الآن ذاته تدرك كم هو الجذر الإنسانيّ العميق متّحد في جوهره في روح الإنسان، كلّ إنسان، بدءًا من إنسان آسيانا القريبة في السعودية والأردن، إلى آسيا البعيدة حيث أندونيسيا والصين، عودًا إلى إنسان سويسرا في أوروبا، وانتهاءً بإنسان الطبيعة الجميل في عدد أكبر من دول أفريقيا وطن الطبول

[email protected]