«نحن لسنا أكثر من مجموع ما نداوم على فعله، التفوق إذن ليس موهبة فطرية، بل هو عادة يومية.»
(أرسطو، 384-322 قبل الميلاد)
الذات الإنسانية الفردية ليست حالة جامدة مستقرة في أي لحظة من لحظات وجودها، بل هي باستمرار، إمكانية مستقبلية، تتحقق بالعمل الواعي الدؤوب وبالإرادة القوية الفاعلة، أو تُهدر بالتغابي والكسل، وبالانجراف الشهواني.
هذه حقيقة بسيطة، يثبتها التأمل الذاتي، وتدعمها الشواهد الحياتية من حولنا، وقد أكد عليها كبار فلاسفة العالم ومفكروه، لكنها ما تنفك تغيب عن وعينا، وتُستبدل بها فكرة أخرى هي على النقيض منها، فيها إقرار بثبات الشخصية البشرية، وتحجرها، وبأن رفعة الإنسان أو انحطاطه، عظمته أو خسته، قدرته على الإنجاز أو عجزه.. كل ذلك قدر لا مهرب منه، يولد الواحد منا عبدا له، فلا يستطيع له تغييرا!
والسبب في استحكام هذه الضلالة، وامتلاكها عقول الكثيرين، يكمن في أننا نفضل أن نلقي بتبعات تخلفنا الشخصي وتراجعنا وهزائمنا وعجزنا عن تحقيق ما نصبو إليه.. على شيء ما خارج ذواتنا، كالقدر أو البيئة أو الوراثة، أو ذلك كله معا!
وهكذا –وحين نؤمن بأننا جمادات رُسمت لها خريطة وجودها غير القابلة للتغيير- نحرر أنفسنا من عبئين ثقيلين: عبء تأنيب الضمير ومحاسبته للذات على فشلها وشللها، وعبء العمل لتغيير ذواتنا وتطويرها وصقلها..
كما أن الناجحين الكبار في عالمنا يحلو لهم في كثير من الأحوال أن يعتقد سواد الناس من حولهم أن نجاحهم وإنجازاتهم الفنية والأدبية والعلمية.. وثراءهم الذي تضرب به الأمثال، كل ذلك ثمرة لبركة سماوية غامضة، اختارتهم هم دون غيرهم لتتنزل عليهم، وأن على الآخرين احترام هالة القدسية تلك المعلقة فوق رؤوس الناجحين الأثرياء العباقرة، وأن يقنعوا هم بالبقاء في القاع، دون السعي لأي تطوير أو تغيير ذاتيين، إذ تنقصهم اللمسة السحرية التي لدى أهل القمة!
لكننا في المقابل لا نعدم شخصيات تاريخية فذة، كشفت لنا أن العبقرية –كما قال توماس أديسون- 99% من العمل و1% من الموهبة..
وأن طالبا فاشلا على مقاعد الدراسة يمكن أن يحول نفسه، بالانكباب على تطوير قدراته إلى أحد أعظم العقول البشرية على الإطلاق واسمه ألبرت أينشتاين! وأن كفيفا ريفيا قليل الموارد يمكن أن يكون طه حسين.. والأمثلة بلا حصر..
والثابت الوحيد لدى هؤلاء النجوم هو عمل لا ينقطع لتطوير الذات، عمل متحرر من ضلالة أننا ضحايا لأقدارنا وبيئاتنا وجيناتنا ومجتمعاتنا.. لكن الواحد منا كي يبدأ في مشروع حقيقي جاد لتطوير ذاته عليه أن يتحلى بثلاث فضائل أساسية لا غنى عن إحداها:
- عقل صاف يمكنه من رؤية إمكانياته وأهدافه والطريق الموصل من الإمكانات والأهداف..
- الدأب في السعي نحو أهدافه، دون أن تقعده العوائق والعراقيل، مع التحلي بالمرونة الذهنية للقفز أو الالتفاف حول ما يعترض اندفاعه نحو ذاته المشتهاة..
- الشجاعة في تحمل مسؤولية إخفاقه إن أخفق مرة أو مرات.. والقدرة على أن يبدأ من جديد مشواره نحو تحقيق أهدافه، حتى ولو اضطر للعودة إلى نقطة الانطلاق ألف مرة، فما النجاح إلا الصلابة في مواجهة الفشل المتكرر..
يأتيني أحيانا من يفضي إلي بأنه يائس يأسا مطلقا، لأنه فاشل فشلا مطلقا، في هذا الشأن أو ذاك من شؤون حياته.. بل إن بعض هؤلاء يصارحني بأن فكرة الانتحار تراوده كل حين، هربا من عجزه عن قيادة ذاته لتحقيق أي إنجاز، أو للوصول إلى صورتها المنشودة المبتغاة.. فأبادر بطرح الأسئلة التالية على اليائس الذي يستعذب لعب دور الضحية: كيف تمضي أوقاتك؟ وما المشروع الذي رسمته لتطوير ذاتك؟ وما الموارد التي خصصتها لتنفيذ هذا المشروع من وقت وجهد وصبر ومال..؟ فتأتيني الإجابات الصادمة.. إنه يمضي أوقاته أمام الشاشات، أو في المقاهي، ولا يخصص لتأمل نفسه والحوار معها دقيقة واحدة، بل هو على العكس يهرب من العزلة هروبه من وحش ضارٍ.. إنه لا يعرف نفسه، ويريد قتلها بالانتحار قبل حتى أن يتعرف عليها! يا لضيعة الطاقات والأعمار!
إن إعادة إنتاج ذاتك لتكون كما تريد أنت لا كما يُراد لها من خارجك، هي أهم مشروع لك في هذه الحياة القصيرة الثمينة، فلا تضيع المزيد من الوقت.