قضيت زمنا طويلا في التعليم الجامعي، وخالطت مجموعات كثيرة من الشباب، وشغفت على الدوام بملاحظة التغيرات الاجتماعية وما يطرأ عليها من التغير عبر الزمن، وخرجت بحقائق وبانطباعات كثيرة في مناح شتى، ولكن من أبرزها مما يتعلق بشباب جيلنا المعاصر، أن أكثره ومع شديد الأسف والحسرة يعيش فراغا هائلا في تكوينه الشخصي، واضطرابا وتشوشا في هويته الفكرية، وتشتتا في تركيزه وهما وقلقا عميقا على مستقبله، وكل واحدة من هذه القضايا لها شجون وشجون، وقد تأتي الفرصة لاحقا للحديث عن بعضها، وهي في مجملها تدعو للقلق الشديد من كل مشفق ومحب لهذا المجتمع من غد منتظر لا يدري كيف سيكون حاله، فجيل اليوم هم في المحصلة مستقبلنا غدا، ومن خلالهم يستشرف المستقبل القادم وهي حقيقة يعرفها الجميع وهي مع ظهورها تمر على كثير من عقلائنا مرورا عابرا، وقد تمر على بعضهم كما تمر العظائم وهو لا يملك إلا أن يرقبها حين تحيط به من كل جهة وليس له معها حيلة.
أذكر أنني حججت للمرة الأولى قبل ثلاثين عاما بالتمام والكمال، وكنت في رفقة عدد من الشباب الأخيار الذين التحقوا للتو بالجامعات أو يكادون، وكنا نقضي ليالي منى في أحاديث عذبة جميلة وقد طوى النسيان تلك المجالس إلا مجلسا واحدا كأني أعيشه اللحظة بتفاصيله، وكأني أرى وجوه شخوصه وأتأمل تعبيرات وجوههم وهم ينصتون لمهندس أمريكي مسلم اسمه عبدالكريم لقيناه للمرة الأولى في رحلة الحج تلك، وقد أخذ بزمام الحديث في تلك الليلة عبر مترجم وابتدأه بسؤال لكل واحد منا دون استثناء وكنا دون فوق العشرة عددا عن رؤيته لعدد من القضايا التي تتعلق في جملتها بدوره في مجتمعه ومحيطه القريب والواسع وكيف يرى الواقع ونحو ها من الأسئلة المفاجئة لنا في حينها، حتى إذا تحدث الجميع وانتهت الجولة وساد الصمت قلنا وفي صوت واحد تقريبا للمترجم: سله لماذا سألنا نحن كل هذه الأسئلة؟ وماذا عسانا أن نضيف له من علم بأجوبتها ونحن ما زلنا شبابا صغارا لم يكتمل فهمنا ووعينا؟ فقال في وضوح تام: أريد أن أرى من خلالكم يا أبناء هذه البلاد تحديدا كيف سيكون مستقبل أمتنا بعد عشرين أو خمس وعشرين سنة، لأنكم أنتم المستقبل فما تحملونه اليوم هو ما سيصنع هوية وصورة مستقبلنا القادم، انتهى المجلس وبقيت الرسالة التي بعثها عبدالكريم تدوي في نفسي حتى اليوم.