خلال استقباله للمتقاعدين أشار خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى نقطتين جديرتين بالتوقف عندهما لما لهما من أهمية بالغة في الإلمام برؤية القيادة الإستراتيجية حول مسألتين في غاية الأهمية بالنسبة لمستقبل الوطن والمواطن في هذه البقعة المباركة من أرض الله.
يُلاحظ المراقب أن الخطاب الملكي بدأ أول ما بدأ مخاطبا جموع المتقاعدين بتساؤل لافت للنظر، حيث سألهم وبشكل مباشر لا يحتمل التأويل (أين نصفكم الآخر؟)، وكان يتساءل (أطال الله عمره) عن النساء، مستغربا ومتعجبا ألا يراهن ضمن وفدهم لمقابلته!!. ثم أردف في عتاب مُمازح (أتخافون من وجودهم بينكم؟)، وقد ضحكوا لهذه الممازحة الملكية، رغم أنها تستدعي التفكير بعمق، والآن نستطيع أن نسأل أنفسنا: لماذا وقف الملك عند هذه النقطة وهو يبتدر حديثه مع المتقاعدين؟! ونستطيع أن نسأل أنفسنا: لماذا وجههم إلى أنهم في المرة القادمة يجب أن يستصحبوا معهم نصفهم الآخر، مع رسالة طمأنة لهم بألا يخشوا ذلك.
كل من له ذرة فهم يستطيع أن يفهم هذه الإشارات الملكية على النحو الصحيح والوحيد الممكن، فهذا شيء لا يحتمل التأويل.
الرسالة الملكية هنا واضحة: هل في شرع الله ما يأمر بأن نستأصل نصف مجتمعنا؟ وهل فيه ما يأمر بأن نُعطِّل إرادة وفعل نصفنا عن المساهمة في إرساء دعائم مجتمع قوي ونام ومستقر وآمن؟ وكيف يمكن أن نحقق هذا بينما نحن نعمل بنصف قوتنا، أو أقل من النصف منها؟
إن النساء لا يُشكلن فقط نصف المجتمع، بل وفوق ذلك، هن يربين نصفه الثاني، إذن كيف لك أن تبني مجتمعاً سليماً قوياً ومعافى، بينما أنت تطرد أكثر من نصفه خارج دائرة العمل والفعل والتفاعل الاجتماعي؟
وإذا كان صح عندنا في السنة النبوية المطهرة أن الرسول، عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم، أوصى صحابته، عليهم رضوان الله، بأن يأخذوا نصف دينهم من الحميراء عائشة، رضي الله عنها، فكيف لنا نحن الذين أنعم عليهم بنعمة الإسلام أن نأتي بقاعدة عرفية اجتماعية متخلفة ونُحلَّها محل قاعدة إسلامية وضعها لنا الخالق ليُخرجنا من ظلمات جاهلية أعرافنا الاجتماعية إلى النور؟
هذا هو تحديدا ما يهدف إليه برنامج خادم الحرمين الشريفين الإصلاحي، أن يعيدنا إلى جادة الطريق، وأن يعيد وجهنا الإسلامي الحضاري الذي سرقته قوى الجهل والظلام في غفلة منا، لنستعيد وعينا بحقائق العصر الذي نعيشه ونتطلع لأن نحتل فيه المكان اللائق بنا كدعاة بناء وإصلاح وسلام، فهلا وعينا ذلك والتففنا حول هذه الراية؟
هذا ما ورثناه من الملك الذي أسس لنا هذا الكيان الذي نفاخر به الأمم في عالمنا المعاصر، وما ورثناه من ثلة الرجال الذين آمنوا بحلمه وخاضوا معه معركة تحقيقه، من قيم وموجهات، ورثنا منهم أن نبني (فوق) ما بنى أسلافنا، ونفعل فوق ما فعلوا، وأن ليس قصارى الوفاء لهم أن نحافظ على ما شيدوا فقط، وهذا واجب، بل أن نعلي من البنيان الذي شيدوا، بمعنى أن نطوره وننميه ونزيده قوة ومنعة.
وأما ثاني ما تعلمناه وورثناه منهم، فهو أن ننحاز للحلم دائما، وليس للأمر الواقع، بمعنى أن نسعى دائما لتجاوز واقعنا نحو واقع أكمل وأجمل، واقع يرضي طموحاتنا، ويحقق أهدافنا وأحلامنا.
أما ثالث ما ينبغي أن نفكر فيه لتوظيف هذا الإرث، فهو أن نحقن شرايين أطفالنا بهذا التاريخ، وأن نرضعهم منذ الصغر هذه القيم التي أورثنا إياها من قاموا بتأسيس كيان هذا الصرح، ليتشبعوا بها، ويستشعروا قيمة هذا الوطن وما بذل في سبيل تأسيسه من تضحيات جمة.
وهكذا نكون أمناء وأوفياء لهذا الإرث وللرجال الذين أورثوه لنا..
تغمدهم الله بواسع رحمته وجزاهم خير ما فعلوا.
أعاد لنا وجهنا الإسلامي الذي سرقته قوى الظلام!
صالح بن سبعان3 دقائق للقراءة

حجم الخط
