المقولة التي احتواها العنوان، ليست مقولة مقتبسة من مدربي دورات تطوير الذات التي تحفّزك لإطلاق «العملاق بداخلك»، بل هي نظرية محلية لكيفية مواجهتنا كمجتمع لمشاكلنا الطارئة، فما أن تطرأ فكرة في مجال معين حتى تجد من يندفع بشراسة لتعطيل الفكرة وإلغائها، ليس لعدم إيمانه بجدواها، بل لأن هذه الفكرة تحتمل التأجيل حتى يتم حل مشاكل عالقة في نفس الحقل، لا أدري من هو أول من تبنى هذه الرؤية، لكنني أتذكر أن الفكرة راجت كثيراً أيام حرب تحرير الكويت عندما ساد الجدل حول الاستعانة بالقوات الأجنبية، في تلك الأيام خرجت أصوات كثيرة وعالية جداً لدرجة الصراخ تطلب بأن يتم تحرير فلسطين أولاً -أي والله- وعندما تنتهي مشكلتنا في العدو الصهيوني، يصبح الوقت مناسباً لتحرير دولة عربية احتلت من دولة عربية أُخرى، كانت تلك رؤيتهم العبقرية والتي لم يقتنع بها أحد ولله الحمد والمنّة.
هذه الأيام تعود الفكرة ذاتها بالشأن المحلي، ومع كثرة ترديدها منذ بداية التسعينات الميلادية أصبحت الفكرة مقبولة لدى الشارع، فترديد الخطأ على أنه مسلّمة يأخذ فعلا صيغة المسلمات مع الوقت إذ لم يتعرض لوقفات نقدية جادة، ولا سيّما أننا ما زلنا نتقبل الكثير من الآراء على هيئة معلومة لا تقبل الجدل أو النقاش، فمثلاً عندما يكون الحديث عن ضرورة تطوير المناهج بما يتناسب مع تطور العلم ذاته ما زالت هناك أصوات كثيرة ترى أن ذلك ترف وليس ضرورة، فبرأيهم أن تطوير مباني المدارس والاستغناء عن المستأجرة وتهيئة البيئة التعليمية هي الضرورة، ويجب -حسب رأيهم– أن نؤجل فكرة تطوير المناهج حتى ننتهي من مشاكل المبنى المدرسي أولاً، وهم محقون في نصف ما ذكروا، فتطوير المباني والبيئة التعليمية بشكل عام هو ضرورة، لكن أيضاً تطوير المناهج ضرورة. غير المنطقي هو أن نلغي مشروع تطوير المناهج حتى نتخلص من المدارس المستأجرة، ولا سيّما أنه لا يوجد تعارض بين الفكرتين، ولدينا من الإمكانات المادية والبشرية ما يجعلنا نطوّر، أو على الأقل نطالب بالتطويرين معاً، ونفس الفكرة يتبناها من يقفون بتردد حول رياضة البنات، إذ يرون أنه لا بد أن نتخلص من السلبيات في المدارس أولاً ثم نفكر في رياضة البنات، فتطوير المقاصف المدرسية بنظرهم هو أولى من اقتراح رياضة للبنات، فالإشكالية هي في ترتيب الأولويات، ونحن دوماً مشكلتنا في الرأي الواحد، فيُصر كثيرون على أن تطوير مباني المدارس هو الرقم واحد في سُلّم الأولويات، ولا أرى سبباً مقنعاً للنظر للأولوية على أنها لا تتسع إلا (لحلمٍ واحد)، فالأولوية رقم واحد للتعليم تتسع للجميع من تطوير المدارس والبيئة التعليمية بشكل عام والمناهج، فكل هذه لا بد أن تكون هي قائمة الأولوية، فالعالم أصبح أكثر سرعة علمياً، فما هو جديد ومدهش من اكتشاف في هذا العام قد يكون غاية العادية في العام المُقبل، ولو آمنا بقول من يطالبون بالتراتبية بالأولويات -جدلاً- وركّزنا على أولوية واحدة، فكم من الوقت نحتاج لإنجازها؟، وماذا لو لم نوفق في تحقيقها؟، وأيهما أجدى: أن نحقق نجاحا ولو جزئيا في كل فكرة، أم نركز على فكرة واحدة ثم لا نحقق فيها النجاح المأمول؟
نحن مجتمع متردد ومتوجس يحتاج لثقة أكبر للانطلاق بأفكاره حتى تلك التي تصنّف على أنها مستحيلة، نحتاج أن نثق أكثر في أفكارنا فقط، لا ينقصنا شيء آخر!